الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi4
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI
الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi4
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI
السلام عليكم ورحمة الله، أحبتي الكرام.
يطالب البعض بإرجاء الحديث عن أخطاء الأحزاب المنخرطة في العملية الديمقراطية بمصر، مراعاةً لحساسية الوضع الحالي من توتر بين هذه الأحزاب والرئيس المصري الجديد من جهة، والمؤسستين العسكرية والقضائية من جهة أخرى فيما تتناقله وسائل الإعلام. ويرى إخواننا أن الحديث عن هذه الأخطاء يزيد الحمل على الأحزاب المنهكة في معركتها ضد العسكر.
وهنا أود التأكيد على نقاط مهمة:
نرى أن الكلام عن أخطاء الأحزاب تزداد أهميته في هذه المرحلة الفاصلة التي تحدد معالم نظام الحكم والدستور، وعلاقة الأحزاب مع المؤسستين القضائية والعسكرية، بل والأنظمة العربية والقوى الدولية. فهذا التوتر مع العسكر والقضاء المصري يُتوقع أن يتمخض عن واحدة من نتائج متباينة:
ونحن بنقدنا نعول على هذا الصنف الأخير؛ نخاطبه ونعززه ونشجعه. نقدنا موجه إلى هؤلاء مساهمة في تصحيح المسار، وإلى عوام الناس لإزالة الغبش العقدي الذي تسببت به ممارسات الأحزاب الخاطئة. وليس الهدف يقيناً إضعاف الأحزاب أمام خصومها من العسكر والقضاء والعلمانيين والفلول؛ بل خطابنا هذا الهدف منه أن تصحح الأحزاب المسار من نفسها وتتوب إلى ربها، لا أن تُستأصل على يد أعدائها.
بالنسبة لنا، فما حصل قبل أيام من إقرار المادة الثانية -مثلاً- على شكلها الذي كانت عليه أيام حسني مبارك وأنور السادات، مع قيد لا يسمن ولا يغني من جوع من جعل المرجعية إلى الأزهر في تفسيرها، بل مع نصها على شرائع النصارى واليهود دون مواربة، في مقابل استخدام كلمة "مبادئ" الهلامية مع شريعة الإسلام؛ هذا بحد ذاته دلالة على غبش منهجي كبير لدى الأحزاب.
يرى البعض في حديثنا عن الأخطاء في هذه المرحلة تشتيتاً للجهود وتعكيراً على المكتسبات، من وصول لكرسي الرئاسة ومحاولات لإعادة البرلمان. ونحن نعيد التأكيد على أننا لا نرى في أي من ذلك مكسباً ما دام مبنياً على قواعد الديمقراطية التشريعية، وسيادة الشعب، وتقديس إرادته، واحترام القضاء الوضعي؛ وهي المصطلحات التي ما فتئ القوم يدندنون بها. بل نرى في هذا الطريق مفسدة للدين وضياعاً للأعمار والجهود.
فمن يعيب علينا حديثنا فليناقشنا في نظرتنا هذه؛ فتأكيده على أن طرحنا يعكر على المكتسبات ويشتت الجهود لا يجدي شيئاً ما دمنا لا نرى مكتسباته مكتسبات، بل ونرى طريقه هي مهلكة الجهود والأعمار، وأنها لن تقود أبداً إلى إعزاز الإسلام.
هذه الفلسفة -بأن ليس هذا وقت الحديث عن الأخطاء- ساهمت حتى الآن بما فيه الكفاية في إيقاع جماهير من المسلمين في التلبسات والتشوشات الفكرية المنهجية العقدية. فبعض الإسلاميين يمارس ممارسات ويصرح تصريحات من قبيل "التقية السياسية" تلقي بذوراً فكرية ملوثة في العامة، ثم يسكت عامة العلماء مراعاة للوضع الحرج وخوفاً من أن تكون حرابهم موجهة للإسلاميين، فتبدو هذه الممارسات محل إجماع في عيون العامة، أو على الأقل لا يشعرون بمدى خطورتها.
وبذلك يصبح ما لا يقبل الخلاف محل خلاف ونظر، وتنمو البذور الملوثة وتستحكم لأنها لم تجد من يقلعها. وأظن هذا يفسر -ولا يبرر- سكوت عامة العلماء المشاهير عن كثير من الممارسات الخاطئة.
ومن تجربتي مع بعض العلماء، عندما نطالبهم بإنكار بعض التصريحات والممارسات الملبسة على الناس ولو تلميحاً دون ذكر أسماء أصحابها، نقول له: "يا دكتور، صرح بأننا نبرأ إلى الله من الطرح الفلاني، وعقيدتنا في هذه المسألة هي كذا، حتى لا تلتبس الأمور على عامة الناس"، لكن للأسف هذا الهاجس كان يمنعهم.
فلنتذكر في هذا المقام كلمة الإمام أحمد منكراً على العلماء الذين سكتوا أيام فتنة خلق القرآن، وهي فتنة أقل بكثير من فتنة الديمقراطية المعاصرة. ليس خلافنا مع هذه الأحزاب على معاصٍ فردية أو حقوق لنا شخصية يمكن أن نسترها حتى لا نعين أعداءهم عليهم؛ المسألة مسألة تبيان للدين وإزالة لبس عنه، لا نملك أن نتنازل عنها، وإلا خشينا أن يصيبنا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.
فنقول لمن يلومنا على بيان أخطاء الأحزاب في هذه المرحلة: ينبغي أن تتوجه جهودكم إلى هذه الأحزاب لتردعوها عن أخطائها وتنازلاتها، لا أن تتركوها تمارس ممارساتها التي ننقدها ثم تتوقعوا منا أن نخون أمانة العلم الذي تعلمناه ونسكت على هذه الأخطاء.
نحن أكدنا ونؤكد أن لا مفسدة أكبر من مفسدة التلبيس في أمور العقيدة وخدش مقام التوحيد، وقد قدمنا لها في حلقة "مفاسد الإسلامقراطية" التي لا تعادلها مصلحة. ولا نستبعد بعد هذا الصدام مع العسكر والقضاء أن تزيد التنازلات والأخطاء في المرحلة القادمة بحجة صعوبة المعركة وشدة الوطأة وشراسة الهجمة والمحافظة على المكتسبات، وتزداد مع ذلك في المقابل مطالبتنا بالسكوت وتأجيل البيان بحجة أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
علينا أن نرفع صوتنا في وجه الأحزاب: أترون أعداء الشريعة هؤلاء لن يرضوا عنكم حتى تتبعوا ملتهم؟ والصدام معهم حتمي، فليس الحل في تقديم التنازل لهم، وإلا -يا إخواني- فما أقر أعين أعدائنا بنا! إذ لن يضيرهم أن تحدث هذه الخلافات مع الرئيس الجديد إن كانت ستؤدي إلى أن يصبح في عيون الناس الممثل الشرعي والوحيد للتيارات الإسلامية، ويتكفل الإسلاميون أنفسهم بإسكات الأصوات الرافضة للديمقراطية.
ومن ثم يتم الضغط على الرئيس والتفاوض معه ومع الأحزاب، وتقدم التنازلات وتمرر المخططات، حتى إذا كان لهم ما أرادوا وتخلصوا من الخطر الأكبر المتمثل في تهميش ما يسمونه بـ "الإسلام الأصولي"، انقلب الأعداء على هذه الأحزاب نفسها ولم يرضوا منها بأقل من أن تتبع ملتهم.
ودراسات مراكز التخطيط الاستراتيجي الأمريكية واضحة في ذلك؛ فهي تصنف المسلمين إلى: (أصوليين، وتقليديين، وعلمانيين، وحداثيين). ولو خلت الساحة من هؤلاء الأصوليين وخفتت أصواتهم وتلاشت دعوتهم، فالخطوة التالية هي تهميش هذه الأحزاب والانقلاب عليها ودعم الحداثيين والعلمانيين ضدها.
لذا، فهي تنظر إلى هذه الأحزاب التقليدية على أنها أداة مرحلية، ولا تقبل بوجودها في الحكم على المدى البعيد أبداً. وتنص في دراساتها على ضرورة تشويه سمعة التقليديين ونسبتهم إلى التخلف والضعف الاقتصادي ليتسنى إضعاف شعبيتهم وتغليب الحداثيين والعلمانيين عليهم عند انتهاء دورهم.
دراسات مركز التخطيط الاستراتيجي "راند" (RAND) تنص على هذه الطريقة في التعامل مع التوجهات الإسلامية، مثل دراسة:
فإذا خفت صوت المعارضين للديمقراطية والتنازلات، فالدور سيكون عليكِ أنتِ أيتها الأحزاب؛ ستزداد الهجمة عليكِ شراسة، وتقل الحاجة إلى مفاوضتكِ، وتتوسع خيارات العدو في التعامل معكِ.
هذه طبيعة المعركة موضحة غاية التوضيح في آيتين:
طريق التنازلات لا يقود إلى العزة والتمكين أبداً، بل يقود في المحصلة إلى ترك دين الله واتباع طريقة أعدائه. فإما هذا المصير المشؤوم، وإما أن يستفيق المسلمون ويدعوا هذه المسالك ويتمسكوا بشريعة ربهم.
مهمتنا في هذه المرحلة أن نكشف بطلان هذه التنازلات وهذه المسالك، ونقول للناس: "هلموا إلينا بعيداً عن الهاوية". أما السكوت بحجة أن "كدر الجماعة أفضل من صفو الفرد"، وبحجة حساسية الأوضاع وشراسة الهجمة، فهذا السكوت لن يزيد المسلمين إلا إسراعاً نحو الهاوية؛ إذ لا نذير يصرخ ولا ناصح يحذر.
ولهذا كله نقول: ليس بأيدينا ولا من حقنا، ولا في صالح الإسلام والمسلمين، ولا في صالح من ننتقدهم من الأحزاب البرلمانية أن نكف عن دعوتنا في هذه المرحلة؛ بل سنبين ونحذر ونخطئ ونصوب، سائلين ربنا -عز وجل- أن يصلح نوايانا ونوايا المسلمين، ويهدينا وإياهم إلى ما يحب ويرضى.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.