الكلمة المشار إليها عن ماذا تعني إقامة الشريعة: https://youtu.be/5HsU7SAMmRE الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi ===== الحساب على التويتر https://twitter.com/Dr_EyadQun
الكلمة المشار إليها عن ماذا تعني إقامة الشريعة: https://youtu.be/5HsU7SAMmRE الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi ===== الحساب على التويتر https://twitter.com/Dr_EyadQun
السلام عليكم ورحمة الله. إخواني الكرام، هدف هذه الكلمة هو بناء الوعي وتوضيح الهدف الذي ينبغي أن تنصب جهود المسلمين على تحقيقه، مع التركيز على التحذير من استغلال الأحداث للتطبيع مع الديمقراطية والعلمانية المعتدلة بما يفسد على المسلمين دنياهم وآخرتهم.
الموضوع متشابك، لذلك سأبدأ بمقدمات طويلة قليلاً لكنها مهمة جداً لفك الاشتباك وتأسيس أرضية مشتركة قبل الوصول للموضوع الرئيس. وأحسب أن هذا سيُسهل جدًّا أن نتَّفِق ونهتدي إلى الحق بإذن الله تعالى.
دعوني أبدأ بأمورٍ نتَّفِق عليها:
وهناك في المقابل علمانية مساواتية، تصرِّح بأنها تقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع، وتتيح لكلٍ ممارسة شعائره الدينية. وأصحاب هذه العلمانية قد يتمسكون بأخلاقيات وشعائر إسلامية في ذوات أنفسهم، لكنهم ملتزمون بعدم اعتماد الإسلام كمرجع أوحد مهيمن على التشريع وكافة مناحي الحياة، بل يحددون مرجعياتهم في الحكم من خلال الديمقراطية بما لا يخالف علمانية الدولة.
الآن دعوني أحيد أموراً لن نناقشها من قبيل التركيز على ما هو أهم:
الموضوع الرئيس هو: معالجة الإشكال الحاصل في أذهان البعض تجاه العلمانية والديمقراطية بما يضر بهم ديناً ودنياً.
أخطر ما في الموضوع يا كرام هو حصول تطبيع مع الديمقراطية والعلمانية المساواتية بالثناء عليهما والقبول بهما كنموذج نهائي. عبر سنوات طويلة كان الهدف واضحاً: "الدولة المسلمة التي تقيم شرع الله تعالى"، لكن الطرح تغير الآن.
أصبح يقال: "نحن لا ندعي القدرة على إقامة الشريعة، لكن نقلل المفاسد"، ثم تحول الوصول إلى "علمانية مساواتية" إلى هدف بحد ذاته يُفرح به ويُعتبر نصراً مؤزراً وفتحاً مبيناً ونموذجاً يحتذى!
هذا الخلل يظهر في عبارات ينشرها كُتّاب ودعاة، كقول بعضهم: "لنكن واقعيين، أحلام الدولة الإسلامية غير واقعية، نريد علمانية كعلمانية أردوغان". وآخر يقول: "ماذا تريدون بالدولة الإسلامية؟ العدل؟ ها هو العدل والمساواة في تركيا". يقولون ذلك في غيبوبة تامة عن معنى النظام الإسلامي، وأن العدل والحق لا يتحققان إلا بشريعة رب العالمين.
يتناقل الناس بحفاوة مقالات تقول إن أردوغان استبدل الأتاتوركية بـ "العلمانية المحايدة" لتقف الدولة على مسافة واحدة من الأديان. ويدعي البعض أن "الإسلام لا يحتاج إلى حكومة تتبناه وقوانين تفرضه، بقدر ما يحتاج إلى نظام حكم عادل لا يمارس التمييز ضده".
وهنا نسأل: ما تعريف العدل؟ إذا كانت العلمانية المساواتية تقبل المحاصصة والخضوع لنظام وضعي، فإن الدين الحق لا يقبل ذلك. ليس هناك شيء اسمه "مسافة واحدة"؛ فالإسلام إما أن يهيمن وإما أن يُبطل، فطبيعته لا تقبل الإخضاع: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.
العلمانية المساواتية تتيح ممارسة بعض "الشعائر"، لكنها تجرّم من يدعو لهيمنة الشريعة واعتبارها المرجع الوحيد. هذا ما نحذر منه: أن يصبح هذا النموذج هو المنتهى، وأن يُظن أن الإسلام لا يحتاج دولة تحميه.
الآن سيأتي واحد ويقول: "لكن يا أخي أردوغان لا يستطيع أن يفرض هيمنة الإسلام". أقول لك: ليس موضوعنا شخص أردوغان، أنا أتكلم عن الثناء على العلمانية المساواتية كمنهج.
سيأتي آخر ويقول: "لكن يا أخي كيف تريد فرض الإسلام على دولةٍ فيها المسلم والنصراني والنصيري؟ ليس من العدل أن تفرض رؤيتك على الآخرين". أها! هذا هو موضوعي؛ أن أبين لك أن قولك هذا يبطل الإسلام الذي تنتسب إليه من أساسه، لأنك لا تراه يصلح كنظام حكم وترى غيره أفضل منه.
والله تعالى قال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. والله تعالى أمر ببسط سلطان الإسلام حتى لا تكون فتنة: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}. وبهذا عمل رسول الله ﷺ والمسلمون من بعده عبر القرون.
نظام الحكم الإسلامي نظام حق وعدل ينصف فيه المسلمون وغيرهم. أن تقول: "نحن غير قادرين على إقامة هذا النظام" شيء، وأن تقول: "بأن إقامته ليست من العدل وأن العلمانية المساواتية هي الحل" فهذا شيء آخر تماماً.
مقالٌ آخر منشورٌ على الجزيرة لكاتبٍ معروف، والمقال طافحٌ بالثناء على الديمقراطية، ومن عباراته: "وقد شاهد العالم كله بتحفزٍ واهتمام مسارًا ديمقراطيًا ناصعًا في تركيا"، ثم قال: "فلابد من التركيز الآن على بناء ديمقراطيةٍ سمحة تتسع لكل مكونات المجتمع دون شططٍ أيديولوجي أو منزعٍ قهري".
يعني السعي لهيمنة الإسلام بعدله مع الجميع هو "شططٌ أيديولوجي"؟! والذي يجب بناؤه هو "الديمقراطية السمحة"؟! ويقول الكاتب: "كما أن الشعوب العربية الطامحة إلى الحرية والديمقراطية لا تزال ترى في تركيا أسوةً حسنة ومثالًا يحتذى ونورًا يبعث الأمل".
إذن فلتبذل الجهود ولتتحد الكلمة وتتركز الطاقات على هذا الهدف المنشود: "الدولة الديمقراطية"! فلم تعد الديمقراطية لدى هؤلاء "ميتة" أو "لحم خنزير" يؤكل على كره بقدر الاضطرار، وإنما أصبحت شيئاً طيباً يمدح ويفضل على ما أحل الله من الطيبات.
الميتة والخنزير إذا أكلتهما اضطراراً لتعيش فإنهما لا يمدحان ولا يصيران طيبين في ذاتهما، ولا يجوز لك أن تأكل أكثر مما ينجيك من الموت، والله تعالى قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}. "غير باغٍ ولا عادٍ" أي لا يستحل ولا يأكل أكثر من الضرورة. فما بالك بتحييد شريعة رب العالمين وجعل آراء البشر وأهوائهم حكماً على شريعة ربهم؟ هذا أخبث بكثير من أكل الميتة والخنزير، فلا يمكن أن يمدح ويصبح منتهى الآمال لمسلم.
كلما خابت ظنون المسلمين بالمناهج الأرضية وبدأوا يتلمسون طريق مرضات ربهم لينجوا دنيا وآخرة، جاء من يرمم المناهج الأرضية الفاشلة ويقيمها على رجليها ويزينها في عيون المسلمين.
وقد كنا بيّنا بالتفصيل يا كرام فساد الديمقراطية في سلسلة "نصرةً للشريعة" وأنها دينٌ غير دين الإسلام، ولا يمكن للمسلم أن يجمع بينهما ويرضى بهما منهج حياةٍ في آنٍ واحد. الديمقراطية تجعل ما يحكم به ليس التشريع الرباني وإنما التشريع الوضعي، ثم تجعل التنافس في من سيتولى هذا العمل.
من وضعوا قواعد ما يسمونه "اللعبة الديمقراطية" جعلوا القاعدة الأساسية هي أن الحكم والتشريع للبشر وليس لله، ولا يقبل منك أن تعترض على هذه القاعدة؛ فشرط التنافس والفوز هو التسليم بهذه القاعدة ثم العب بعدها كما شئت. وهذا يناقض اسم "الإسلام" الذي يعني الانقياد والتسليم التام لحكم الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
هذه ألفباء الإسلام وهي مغيبة تماماً في هذه المعمعة وغمرة الاحتفال بنتائج الانتخابات التركية. المنظومة الحاكمة والتشريعات في تركيا غير قائمة على الشريعة، ففرحتك بدفع شر العلمانية الشرسة يجب ألا تعني الإقرار أو الرضا بالوضع الحالي والدعوة إلى الاقتداء به. أن يكون وضعٌ أقل شراً من وضع، لا يعني أن تتقبل هذا الوضع الأقل شراً أو "تأسلمه" وتجعله غاية الأماني.
تنحية شريعة الله عن الحكم هي أكبر المنكرات، وأضعف مراتب الإيمان هو الإنكار بالقلب، فإذا غاب هذا الإنكار فماذا بقي لك من الإيمان؟
طبعاً إخواننا، كلمة "الشريعة" ليست واضحة المعالم أو هي مشوهة ومقزمة في حس كثيرين، ولذا سنضع لكم رابط كلمة سابقة مختصرة بعنوان "حتى تسلم قلوبنا للشريعة". في النظام الإسلامي الناس لهم كلمة في اختيار الحاكم لكن بضوابط ومعايير من رب العالمين، ويتم اختياره ليقيم الشريعة، لا ليحكم بنظام وضعي من أهواء البشر.
تصور كم هو خطرٌ على وعي الأجيال القادمة أن يغيب هذا الهدف المنشود! أين بيانكم لفساد الديمقراطية؟ وإذا لم تبينوه الآن فمتى تبينون؟ وهل بالفعل تتعاملون معها كجيفة ميتة خبيثة تأكلون منها اضطراراً؟ أم أنكم بدأتم تستحسنونها؟ ليسأل كل منكم نفسه.
عدا عن فساد فكرة الديمقراطية في ذاتها، ما هذه الديمقراطية التافهة التي يحتفل المفتونون بها والتي سمحت لواحد (قليجدار أوغلو) على غير دين الإسلام، يهدد بطرد لاجئين مسلمين وعميل لجهات خارجية، سمحت له أن يترشح بحيث لو فرقت نتائجها بنسبة 2% لكان بموجبها رئيسك وعليك أن تخضع له؟!
ما موقفك أيها الممجد للديمقراطية لو فاز في المرة القادمة شخص لا ينتسب للإسلام أصلاً، صريح في عداوته لشعائر الإسلام؟ هل ستقول: "نقبل بالصندوق"؟ أم أنك ستنقلب عليه؟ وبأي حق تنقلب عليه إذا كنت قد دخلت اللعبة الديمقراطية وأثنيت عليها ودعوت للمشاركة فيها كأنها حق وعدل؟
بل قد سمعنا من أحد كبار المشاهير أن على الإسلاميين أن يلتزموا باللعبة الديمقراطية حتى الآخر ولا ينقلوا عليها حتى وإن جاءت نتائجها بخلاف ما يتمنون، حتى وإن جاءت بملحد أو يهودي! إلى هذا الحد وصل التطبيع مع الديمقراطية.
ما هذه الديمقراطية "المسخرة" التي رأينا فيها شباباً ضائعين ماجنين يقولون: "سننتخب قليجدار أوغلو لأننا نريد مزيداً من الحرية ولأن سعر البيرة أصبح مرتفعاً"؟ هؤلاء حسب النظام الديمقراطي لهم أصوات كصوت أتقى رجل؛ فكلهم أمام الديمقراطية مواطنون متساوون: الزناة، وشاربو الخمور، والمحششون، والشواذ، والمجرمون.. صوت الواحد فيهم متساوٍ مع أعقل الناس وأبرهم وأتقاهم! والآلة الإعلامية الموجهة تنتج المزيد من الفساق وتغسل عقول الشباب وتجرهم باتجاه من يحقق شهواتهم بدعم مالي وسياسي من أعداء الدين.
الذين يبالغون ولا يريدون أن يعكر عليهم أحدٌ فرحتهم بنتائج الانتخابات، فليسألوا أنفسهم: كم عملوا عبر السنوات الماضية على هداية الناس ودلالتهم على الإسلام الحق وهيمنته على مناحي الحياة كلها؟ وبيان أنه نظام حياة شامل لا يقبل المحاصصة ولا التصويت عليه، وأنه حق رباني مطلق وما سواه باطل محض؟
كلامنا كله يا كرام لا يعارض الاستبشار والإيجابية، لكن المسلم لا ينبغي أن يكون موقفه التعلق بالأشخاص والتصفيق والانفعالات العاطفية، بل العمل على بصيرة. المسلمون في تركيا وخارجها لديهم فرصة الآن في الحرية النسبية لدعوة الشعب التركي. نتائج الانتخابات تبين وجود نسبة كبيرة لديها جهل أو مستعدة للاصطفاف مع من لديه أجندات تحجيم الإسلام من أجل مكاسب دنيوية.
هؤلاء يا دعاة تركيا ويا مسلمي تركيا، إما أن تدعوهم ويهدي الله بكم من يشاء منهم فيكونوا إخوة لكم، أو أن يسلطوا عليكم بقعودكم عن دعوتهم وانشغالكم بدنياكم فيأتي اليوم الذي يضيقون فيه عليكم.
فاجتهدوا واستغلوا هذه الفرصة في الدعوة إلى الله. قد لا يصل المسلمون في زمان ما إلى الحالة التي ارتضاها الله لهم من رفعة بإقامة الشريعة، لكن لا بد أن يبقى هذا هدفاً نقياً لهم غير مختلط بمفاهيم هجينة، وألا يروا غيره وضعاً إسلامياً ولا شبه إسلامي. فإذا ضاع الهدف ضلت الخطى.
ختاماً، نسأل الله أن يهيئ للمسلمين من أمرهم رشداً، وأن يهدي أردوغان ومن معه لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من العاملين لإعادة سيادة شرعه سبحانه على العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.