أسرانا لا زالوا أسرى
أمة محمد صلى الله عليه وسلم حية، تشعل فيها الحوادث روح الأخوة؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وهذه الأحداث تدل على أن في الأمة طاقة وحباً للتضحية؛ فالصهاينة شر وأخبث وأكثر غطرسة وكبراً من أن تدفعهم إنسانية أو رحمة إلى تلبية مطالب الأسرى، لكنهم يجسون نبض الأمة، فإن وجدوا فيها حياة كفوا بعضاً من شرهم، وإلا تمادوا؛ إذ أنهم لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة.
وكثير من المسلمين والمسلمات كان غافلاً مقصراً، لكن ارتفعت اهتماماته بعد أن رأى قضية إخوته الأسرى، فاللهم اجزِ إخوتنا الأسرى عنا خيراً، فقد رفعوا باهتمامات الأمة في هذه الفترة، ومُنَّ عليهم بالفرج الكامل، واجزِ من تعاطف وتراحم معهم خيراً يا رب العالمين، آمين.
لكن إخواني، هنا حقائق أربع مهمة جداً ينبغي أن لا ننساها في غمرة موضوع الإضراب والمطالب والاتفاقية:
الحقيقة الأولى: أسرانا لا زالوا أسرى
ما حصل من الاتفاق على تحسين أوضاعهم لا ينبغي بحال أن يُعتبر انتصاراً للأمة؛ فانتصار الأمة هو بتحرير هؤلاء الأسرى وبلادهم من الاحتلال. أقول ذلك لأن اليهود -وهم أخبث الناس- يعمدون إلى النزول بسقف طموحات الأمة من خلال شغلها بمطالب جانبية عن المطلب الحقيقي.
تصور يا أخي أن لصاً سرق ابنك وعلمت بمكانه، فذهبت لتحرره، فإذا باللص يضرب ابنك أمامك ويعذبه، طالبت اللص بوقف التعذيب فأبى، وتعودت مع مرور الزمن على رؤية ابنك يُعذب، ثم بعد ضغوطات ومحاورات اتفقت مع اللص على وقف تعذيب ابنك فتوقف بالفعل، فعدت إلى بيتك منتشياً بأن اللص أوقف تعذيب ابنك! هل هذا انتصار؟
كذلك أسرانا؛ تحريرهم فرض كفاية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني" (أي الأسير). لا نريد للصهاينة أن ينجحوا في شغلنا واستنزاف طاقاتنا في معارك جانبية تنسينا المطلب الأساسي وتخدر أحاسيسنا بنشوة انتصار موهوم.
أعود فأقول: تضامن المسلمين مع الأسرى يدل على خيرية وحياة، لكن علينا الحذر من الوقوع في فخ تضخيم النتيجة؛ فالأسرى وإن خفت معاناتهم فهم ما زالوا أسرى، والنصر لا يكون بتقليل المعاناة بل بالتحرير.
عندما تعرضتُ شخصياً لبلاء الأسر بسبب مناصرة إخواني في أفغانستان، كنت أتألم عندما تأخذ قضيتي وقضية إخواني الأسرى السياسيين في الإعلام منحى "تحسين أوضاع السجن" بدلاً من التركيز على عدم مشروعية حبسنا ابتداءً؛ فأسرنا كان ظلماً حسب شريعة الله عز وجل، وكذلك أسر إخواننا في فلسطين.
إن الطنطنة على اتفاقية تمت مع اليهود وبوساطة أعوانهم (حراس الحدود المصرية) يُراد منها إضفاء الشرعية على أسر إخواننا، بحيث تصبح النتيجة: "لا مانع من أسر المسلمين في فلسطين، لكن على أن يُمنحوا حقوقهم التي أقرتها اتفاقية جنيف، وأن تكون ظروف اعتقالهم قانونية وفق قوانين الدولة اليهودية!". هذه كارثة يا إخواني؛ لأنها تميع القضية الأصلية وتضفي على الاعتقال نوعاً من الشرعية، فتصبح المشكلة في "الظروف المعيشية" لا في "الاعتقال" نفسه.
الحقيقة الثانية: التغطية على الجرائم بغطاء القانون
يعمد اليهود إلى إظهار شيء من ظلمهم وتركه يأخذ الاهتمام الإعلامي، ثم يتظاهرون بأنهم تعاملوا مع هذا الظلم بطريقة قانونية، وهذا كله تغطية على جرائمهم التي لا تعرف قانوناً ولا عرفاً. فهم يغتصبون المساحات الكبيرة من الأراضي عنوة، ثم يتداول الإعلام قصة أرض اغتصبوها فتقدم صاحبها بشكوى للمحاكم اليهودية، وبعد تسليط الضوء يخرج الإعلام بأن الفلسطيني "كسب القضية واسترد أرضه"، كل ذلك لإشاعة أن دولتهم "دولة قانون ومؤسسات".
وكذلك الشأن في قضيتنا هذه؛ فإخواننا لا زالوا يعانون من الأسر عند أشد الناس عداوة للذين آمنوا. لا ننسى أنهم يطأطئون رؤوس إخواننا ويعصبون أعينهم ويربطونهم بالأغلال، ولا ننسى المجندات اللواتي يلتقطن الصور أمام أسرانا كذكرى إهانة وتنكيل، ولا ننسى اعتقال مئة امرأة فلسطينية في يوم واحد، ولا ننسى التجارب الدوائية التي تُجرى على بعض الأسرى.
الحقيقة الثالثة: رمزية "عقوبات شاليط" وقيمة الفرد
تعمد الاحتلال أن يطلق على العقوبات اسم "عقوبات شاليط"، وهو اسم رمزي هدفه إعلام العالم بأن الدولة اليهودية تقدس أفرادها وتغضب لهم؛ فمن أجل أسير واحد شنوا الحرب على غزة، وضيقوا الخناق، واعتقلوا المئات، حتى ينتشر في الإعلام العالمي أن قيمة أسير يهودي تساوي أكثر من ألف أسير مسلم.
فلنتذكر يا إخواني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الصحابة على الموت في "بيعة الرضوان" عندما شاع أن المشركين قتلوا عثمان رضي الله عنه، وسير جيش مؤتة عندما قُتل مبعوثه، وجهز بعث أسامة ليقتص من الروم الذين قتلوا والي معان (فروة بن عمر الجذامي) لأنه أسلم. هكذا تكون عزة المسلم الفرد.
الحقيقة الرابعة: دور الوساطات الرسمية
من مصلحة اليهود حفظ شيء من ماء وجه الأنظمة العميلة لهم، لذا نرى أن هذه الاتفاقيات تتم بوساطة رسمية مصرية. وهذا من أتفه المهازل؛ إذ أن النظام المصري ساعد ويساعد في حبس المسلمين في فلسطين وتضييق الخناق عليهم وردم الأنفاق، ثم هو ذاته يتوسط في تحقيق مطالب "تحسين أوضاع"! فلا شكراً ولا كرامة للوساطة الرسمية المصرية، ونسأل الله أن يريح شعب مصر من الظالمين الجاثمين على صدره.
ختاماً:
أسرانا لا زالوا أسرى، ولن تُحفظ عزة وكرامة المسلمين إلا بدولة الإسلام عزيزة الجانب. والحل في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
واجبنا تجاه إخوتنا الأسرى أن نجتهد في الطاعات ونترفع عن المعاصي؛ فمن لا زالت تغلبه شهواته فلن يسهم في بناء مجد الأمة، وسيبقى أعداؤها يأسرون أبناءها. ناصر قضية إخوانك في سوريا وفلسطين وأفغانستان وفي كل مكان، واسعَ إلى أن تحكم شريعة الله الأرض، واشغل نفسك بالعمل لإعزاز أمتك، وإلا شغلتك نفسك بالسفاسف والباطل.
وكلما فترت همتك، تذكر أن أسرانا لا زالوا أسرى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.