يا قومنا أجيبوا داعي الله
أ. د. إياد قنيبي
أ.د. إياد عبد الحافظ قنيبي، بروفيسور علم الأدوية. حاصل على الدكتوراه من جامعة هيوستن الأمريكية بترتيب الأول. مارس بحث الدكتوراه في مركز تكساس الطبي. مشارك في براءتي اختراع في مجال التئام الجروح وعشرات الأبحاث العلاجية المنشورة في مجلات عالمية.
وله موقع FixPharma.net للمحاضرات الطبية والصيدلانية. أصدر كتاب PharMedTerm للمصطلحات الطبية الصيدلانية. أحد ثلاثة مراجعين أكاديميين لأكثر كتب علم الأدوية انتشارا في العالم، وهو كتاب: Lippincott Illustrated Reviews: Pharmacology في الطبعة الثامنة من الكتاب والصادرة عام 2019. لديه سند متصل بالقرآن الكريم حفظا عن ظهر قلب.
تلقى العلوم الشرعية بجهد ذاتي عن عدد من العلماء، وتخرج من دورة صناعة المحاور بترتيب الأول.
من أشهر أعماله:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. من أعظم القربات إلى الله تعالى: تطييب قلوب عباده وبث الاستبشار فيهم، وإشعارهم بعظم مسؤوليتهم وتثبيتهم على الطريق إلى الله، خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن واشتدت الهجمة على الأمة بل وعلى الفطرة الإنسانية.
ولأجل هذه المقاصد السامية جاء هذا الكتاب، والذي دونت فيه خواطر ومعاني استفدت منها لنفسي وخاطبت بها إخواني على مر سنين طويلة، ورأيت لها بفضل الله أثرا طيبا.
ويأتي هذا الكتاب بعد كتابنا السابق "حسن الظن بالله"، والذي كان له انتشار واسع وأثر بليغ بفضل الله تعالى. إذ أن ذلك الكتاب اعتنى أكثر بالمصاعب والبلايا التي تواجه الإنسان في حياته الشخصية. بينما كتابنا الجديد هذا يعتني بجانب هم المسلم لما يصيب أمته والبشرية من ظلم وقهر. فهو بذلك تكملة لموضوع "حسن الظن بالله".
للكتاب محاور ثلاثة:
جعلنا الكتاب على شكل محطات، ليس بينها تسلسل أو ارتباط، وإنما هي أشبه بوجبات روحية. ولذلك فإننا ننصح القارئ الكريم أن يقرأ كل يوم محطة واحدة لتكون زاد روحه لذلك اليوم، ولا ننصح أبدا بقراءته على جلسة واحدة أو جلسات قليلة. فإن ذلك يقلل فائدته، إذ ليس هو كتاب معلومات في المقام الأول.
نسأل الله أن يتقبل منا ذلك العمل ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يكون سببا في نجاة المسلمين في الدنيا والآخرة. والله ولي التوفيق.
أ.د. إياد قنيبي
كم من واحد منا يقول في نفسه: يوم أقبلت على الله، وجدت روحي أفراحها، لامست شعلة الوحي زيت الفطرة النقي، فكان النور الذي أضاء قلبي. أول دمعة مع تلاوة القرآن، أول رحلة عمرة، أول ليلة أقوم فيها لله... وجدت فيها نفسي التي لطالما بحثت عنها في أعماقي! فكانت هذه الأشياء تعني لي الكثير. لقد كانت خارطتي هي: (أنا)، وكانت (أنا) تشرب من معين الحياة كل يوم بعد ظمأ سنين الغفلة، فتحس بالري والأنس والأشواق...
ثم... أدركت (أنا) أنها جزء من الأمة الإسلامية، فتفتحت عيناها على مآسي الأمة! هنا، بلغت العاطفة وحياة القلب ذروتها! أصبحت أحس بكل إخواني وأخواتي على وجه الأرض، كلي حب وإشفاق على إخوتي المضطهدين، وغيرة على حرمات أخواتي المستضعفات، وحنان على الأطفال المشردين. أصبحت خارطتي هي (الأمة)... طموحاتي: إنقاذ الأمة... لن يروي ظمئي غير ذلك! وعلى رغم الألم، كنت في تلك الأيام في ذروة حياة القلب ورقته وعلو همته واتقاد أمله.
لكن، رويدا رويدا... حصل التحول الخطير! لم أجد خارطة الطريق للهدف العظيم (إنقاذ الأمة).. أو ربما وجدتها لكن نفسي لم تكن مستعدة بعد للسير فيها. هنا... علقت في المنتصف! فلا أنا أنقذت الأمة، ولا أنا بقيت على حال الطمأنينة والسعادة التي ذقتها أول إقبالي على الله!
ما كان من الطاعات يعني الكثير لي بالأمس ما عاد يعني لي شيئا! لأنه لا يؤدي إلى الهدف العظيم (إنقاذ الأمة) في نظري... طيب، ألا يصب في صالح نفسي وتزكيتها؟ بلى، لكن خارطتي لم تعد نفسي، بل خارطتي الآن هي (الأمة).
أصبح شعاري: (إيش يعني؟) (so what?)، (كل هذا لا يفيد)... لأن كل ما كان يبهجني بالأمس لا يؤدي إلى (إنقاذ الأمة). تكاد عيني تبكي مع القرآن أو مع قصة أسمعها، أكاد أفرح لأنني - أخيرا - سأبكي من جديد!... لكن يهجم علي صوت: (إيش يعني؟!) ولو بكيت... حررت فلسطين؟! فتنحبس دمعتي.
في صلاتي، أريد أن أستجمع قوتي لأخشع... أخشع؟! ثم ماذا إذا خشعت؟
بل وأصبحت أحقر جهود الآخرين!... داعية يروي قصة مؤثرة فيتفاعل الناس معها في التعليقات، فأعلق أنا: (جزاك الله خيرا يا شيخ، لكن أنتم في واد والمسلمون في واد!... تتكلم عن مكارم الأخلاق بينما إخواننا هنا وهناك يعانون؟!)... آخر يعالج شبهة ليلقى الناس ربهم بقلب سليم لشريعته سبحانه فأعلق: (كل هذا لا يفيد! ما لم يكن للإسلام شوكة فستبقى الشبهات تثار ومعاول الأعداء تهدم ما نبنيه)! كأنني أصبحت أنا نفسي معول هدم وأنا لا أشعر؟!
باختصار، لقد فقدت (نفسي)، ولم أنقذ (الأمة)! طيب ما الحل؟ أعود إلى نفسي وأنسى أمتي؟ وهل يجوز لي ذلك؟
كان هذا تشخيصا لما يحدث مع كثير منا... بوحا بالصوت الداخلي الذي نسمعه من أعماقنا. فهذا حال كثير منا: يهتم لأمته اهتماما سلبيا يقسو معه قلبه. فلا هو حافظ على الفرح بالطاعة كما كان أول هدايته، ولا هو أنقذ أمته.
ما العمل؟ لكيلا تعلق في المنتصف بهذا الشكل، تحتاج أن تفعل ما يلي:
1. تسلم لقضاء الله تسليما صادقا غير سلبي: فالهم بسبب أحوال الأمة يجب أن يكون دافعا للعمل لتغيير هذه الأحوال. أما عندما يصبح سببا لليأس وازدراء الطاعات فإن ذلك كثيرا ما يكون مشوبا بسخط خفي على القدر! تذكر أنه: "ولو شاء ربك ما فعلوه" (الأنعام: 112)، وأنه سبحانه لا يفعل شيئا إلا بحكمة.
لكن، هل يعني ذلك ألا نسعى لتغيير الواقع بحجة أنه مقدر؟ لا بالتأكيد. وإنما ألا يكون حزننا مشوبا برفض لقدر الله وشك في حكمته! ارض عن قضاء الله، ثم اسخط على نفسك إن قصرت في إصلاح واقع المسلمين وارض عنها إن أطاعت.
2. اعرف ما الغاية؟ خطأ كبير أن تجعل الغاية النهائية التمكين للمسلمين في الأرض ثم تحكم على كل عمل لا يؤدي إليها - في نظرك - بأنه عديم القيمة! بل الغاية الحقيقية هي إرضاء الله، وتتحقق هذه الغاية بطاعته سبحانه: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" (الحج: 41). وتتحقق بالعبادة بمفهومها الشامل: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات: 56). وإنما التمكين وقيام الدولة المسلمة ورفع الجور عن المسلمين هو لحراسة الطاعة والعبادة.
نعم، قد نختلف على تحديد الطاعة المثلى والأعظم أجرا، لكن ليس لنا أن نحقر طاعة على اعتبار أنها (لا توصل إلى الهدف)! فهي بحد ذاتها جزء من الهدف.
هذا ما يميز الدعوة الإسلامية التي لام الله نبيه فيها على الانشغال بأشراف قريش عن أعمى فقال له: "كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره" (عبس: 11-12). فجواب سؤال الأعمى المقبل على تعلم الإسلام كان أعظم عند الله قربى من محاولة إقناع من لا يريد أن يسمع ولا يريد أن يستجيب، مع أن في استجابته مظنة رفع الجور عن المسلمين. وعندما أسلم الغلام اليهودي ثم مات فرح به النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنقذه الله به من النار مع أن إسلامه عند وفاته لن يمكن المسلمين من الاستعانة به.
لا نريد أن نصبح كأصحاب الدعوات الأرضية، بأن نجعل التمكين هدفا نهائيا ونحكم بعدها على أعمالنا نجاحا وفشلا على أساسه! فهذه نظرة أرضية ولو ظنناها سماوية بحتة! قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا" (صحيح مسلم: 2626)... أي شيء مهما صغر في نظرك، ومن حقر طاعاته وطاعات الناس فهو يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويضيف بذلك معصية إلى معصية خذلان المسلمين التي تؤرقه!
نحى رجل غصنا عن طريق المسلمين فدخل الجنة، وسقت امرأة كلبا فدخلت الجنة، وليس لك أن تزدري أمورا عظمها الله تعالى! تعليم الناس الطهارة، تعليمهم حديثا، تنقية قلب عبد من شبهة، خشوعك في صلاتك، سعيك على عيالك... كلها تصب في الهدف الأعظم: (إرضاء الله سبحانه). فلا يجوز أن تذم أو تزدرى.
انظر إلى الطاعات الجزئية على أنها جزء من سعيك لتعبيد الناس لربهم ونهضة أمتك، فكلما رأيت كلمة طيبة وفعلا طيبا اعتبرتها أساسا يعتمد عليه لبناء حب الله في قلوب العباد وجزءا من مشروع نهضة الأمة، وحينئذ فلن تحقر من المعروف شيئا.
وإنما الذي يذم هو ادعاؤك أن هذه الطاعات تغنيك عن نصرة المسلمين ومقارعة الكافرين والمنافقين. فلا تذم طاعاتك نفسها حينئذ، بل يذم عدم تكميلها بالواجبات الأخرى. والفرق بين الأمرين مهم جدا.
الذي يذم هو ما يمارسه مشايخ السوء الذين يلفتون الناس عن الاهتمام بواجب إنكار المنكر ونصرة المسلمين والسعي لتمكين الدين بإشغالهم ببعض الطاعات والمندوبات. فعلينا أن نقلب هذا عليهم ونجعل هذه الطاعات مقدمة وأساسا للانطلاق إلى سائر قضايا الأمة ونهضتها.
استمد من الفرح بطاعتك القوة على التخلص من تقصيرك، وإياك أن يجعلك تقصيرك تحقر طاعتك، أو يجعلك تقصير الآخرين تحقر من طاعاتهم. لا نتكلم عن التحقير بمعنى استصغار العمل في جنب الله تعظيما له سبحانه، بل عن الشعور باللاأهمية واللاجدوى من هذه الطاعات! فتحقير الخيرات ذنب يضاف إلى التقصير في نصرة الأمة! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه" (سنن الترمذي: 2319)... فبأي حق تحقرها أنت وقد كانت سببا في الرضوان الأبدي السرمدي؟!
بأي حق تحبط عملك أو أعمال إخوانك بغير ما نص الله على أنه يحبط العمل؟ التقصير في نصرة الدين ذنب، لكن من أين لك أنه يحبط العمل حتى تقول: (لا يفيد) أو (على الفاضي)؟! وقد علمت أن أحكم الحاكمين تعالى قد قال: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" (الأنبياء: 47). إذن، حتى لا يقسو قلبك بعد الاستقامة، سلم لقضاء الله تسليما غير سلبي، واعلم أن الغاية هي إرضاء الله سبحانه وذلك بطاعته وعبادته على الوجه الذي أمر.
3. اعرف ما المطلوب منك: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون" (المائدة: 105)، "لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين" (النساء: 84). ومن ذلك طبعا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لئلا تؤاخذ بإساءات الغير. لكن لا تدع إساءاتهم تثبطك.
الله تعالى يحاسبك على عملك لا على النتائج كإنقاذ الأمة... هذا يمنحك طمأنينة، إذ أنك تطمئن بقدر ما تبذل لا بقدر ما يتحقق على أرض الواقع. نعم، لا بد أن نراجع أنفسنا لماذا لم تتحقق النتائج، وهل كنا مقصرين فنستدرك النقص ونعالج الأخطاء. لكنك تتذكر في الوقت ذاته أن نجاحك ليس مرهونا بتغيير الواقع، بل يسير معك خطوة بخطوة بحسن اتباعك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ستقول: هذا ما يؤرقني! أين لا أدري ما طريق النبي لأتبعه وسط هذه الاختلافات المنهجية. أقول لك بداية: تذكر أن المسألة ليست صفرا أو مئة بالمئة، "ولكل درجات مما عملوا" (الأحقاف: 19). إتقانك للطاعات التي تستقلها يؤهلك أن ينور الله بصيرتك لنهج النبي والطاعات المثلى، "ويزيد الله الذين اهتدوا هدى" (مريم: 76). الإنجازات المرحلية تؤهلك للاصطفاء للمهام العظمى، ولعدم الانتكاسة بعد الاصطفاء. كم من أناس أهملوا قلوبهم وأمراضها، فلما تصدوا لنصرة الأمة انقضت عليهم أمراضهم فأساؤوا وزادوا الأمة وبالا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!
اعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه، فمن لم يحكم بناء نفسه فلن ينقذ أمته. احرص على نور قلبك لتفيض بالنور بعد ذلك على الناس. وهذا يتطلب نفسا منشرحة... تحرص على خشوعك وأورادك، تفرح لضحكات صغارك، تأنس بأهلك وإخوانك، تتقن دراستك وعملك.
صناع مجد الأمة لهم آباء أحكموا بناءهم الداخلي فبارك الله في أعمالهم (الشخصية) وكان لهم من بعد ذلك سهم في الخير العميم. ولا تخف، إخوانك المظلومون سيأخذون حقهم كاملا: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا" (الأنبياء: 47). والذين أجرموا بحقهم سينالون جزاءهم حتى يعض الظالم على يديه ويتمنى لو تسوى به الأرض ويقول يا ليتني كنت ترابا. وربك لا ينسى... "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد" (الفجر: 25-26). كل العذاب الذي عذبوا به المسلمين سيهون أمام العذاب الذي سيلقونه جزاء إجرامهم.
وسيجبُر الله خاطر المظلومين: "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون" (المطففين: 34-35). أما هذه الدنيا التي نحن فيها فهي دار بلاء لا دار جزاء... فاهنض ولا تيأس، بل استبشر واعمل "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" (هود: 115).
من الناس من يظن أن الدين يرتبط بالحزن، وأنه إن أراد أن يفرح فلا بد له أن يتناسى دينه قليلا! وهذا أحد المفاهيم الخاطئة التي ساهم بعض الوعاظ في نشرها. ويستدلون بكلام عن قدواتنا، من القرون الفاضلة، منها روايات لا تثبت، فلا يصح أن يحتج بها وعندنا من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما يعارضها.
وما يمكن أن يثبت من آثار عن حزن السلف فيحمل على أنه بمعنى الخوف، وقد ذكر هذا المعنى العديد من المفسرين في مثل تفسيرهم لقول الله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" (فاطر: 34).. (أي: أراحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة) (ابن كثير)، فيكون الحزن متضمنا لمعنى الخوف والترقب، وهو بذلك عكس الغفلة التي يعيشها من لا يحسب حسابا للدار الآخرة، أو هو الحزن العارض الناشئ عن سبب خاص، لا أنه الحال الدائم لهم، بل إن هناك أحوالا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بإظهار السرور كأيام العيد.
لذا، فكلمتنا هذه هي لبيان أن الحزن بحد ذاته ليس أمرا محمودا ولا مطلوبا شرعا. كما أن الفرح بحد ذاته ليس مذموما ولا دليلا على غفلتنا عن الآخرة وعدم اهتمامنا بهموم المسلمين.
سيقول قائل: كيف لا تريدنا أن نحزن؟ ألا ترى أوضاع المسلمين؟ والجواب: إنما يحمد من الحزن ما كان دافعا للعمل لرفع الظلم عن المسلمين، وإلا فهم ليسوا بحاجة إلى حزننا السلبي، ذلك الحزن الذي ننظر فيه إلى الصور والمقاطع المؤلمة ثم نطلق التنهيدات ونكتئب، ثم تتعكر حياتنا ونحس بالمهانة والفشل لأوضاع أمتنا، وتنكسر همتنا لممارسة مهامنا في مهننا ودراستنا وعلاقاتنا الأسرية والاجتماعية ونحس فيها باللاجدوى، ثم تتبلد أحاسيسنا. فإذا ما تاقت أنفسنا للفرح أحسسنا أنه لا بد من التغافل عن هموم أمتنا، بل وعن ضوابط شريعتنا ونقول: (كفى كآبة، كفى نكدا) - عبارات أصبحت تعني عند البعض: (كفى دينا وكفى إحساسا بالانتساب لأمة الإسلام)! فلا يفرحون بعدها إلا بمعصية الله، لأن الطاعة مقترنة في حسهم بالكآبة والحزن. وهكذا، في انتظار نكبة جديدة لنجتر عندها حزنا سلبيا مرة أخرى، نقنع به أنفسنا أننا لا زلنا منتسبين إلى ديننا وأمتنا.
وحقيقة الأمر أننا لا بحزننا السلبي هذا أطعنا الله ولا بفرحنا المتفلت من ضوابط الشريعة أطعناه، وفي الحالتين لم ننفع أمتنا. علينا أن ننظر إلى الحزن والهم بإيجابية على أنها مشاعر مؤقتة، تعدل المسار وتتحول إلى قوة دافعة لننطلق في الحياة بنشاط وشعور بالمسؤولية وترفع عن السفاسف. كلما ملنا إلى حياة الغفلة نتذكر آلام أمتنا فنرتفع عن الدون ونتلمس طريق المعالي. حتى إذا قطعنا شوطا أحسسنا بالابتهاج وفرحنا فرحا حقيقيا في محله، فرحا بالطاعة، وليس الضحكات الهستيرية التي يطلقها الغافلون ليقنعوا أنفسهم ومن حولهم أنهم فرحون بينما قلوبهم خاوية.
الحزن محمود إذا تحول إلى وقود يسير في مساربه المناسبة فيدفعك إلى الأمام، فإذا لم تسيره في هذه المسارب والأعمال المنتجة فإنه يحرقك! الحزن محمود بمقدار ما يوجد لديك اليقظة ويؤلمك عند التقصير ويعكر عليك لذة المعصية. إذا عصيت أحسست بالذنب والتقصير في حق أمتك وجراحاتها، فتحزن، فيدفعك هذا إلى الطاعة فتفرح بطاعتك. وبهذا تقترن الطاعة بالفرح والمعصية بالحزن، وليس العكس كما هو حالنا الذي ذكرناه!
الحزن محمود بمقدار ما تفلح في تحويله إلى يقظة وعمل نافع. هذا (التحويل) هو شيء استفدت منه في حياتي كثيرا. تعرضت في حياتي لفتن وشهوات، لكن كانت آلام أمتي تمنعني من أن أرتع فيها مع الراتعين. حبي لإخواني المسلمين المستضعفين وحرقتي عليهم يمنعني من أن أقع فيما يقع فيه الغافلون.. لا أستطيع أن أخونهم وأغرق في المعصية وأتركهم يعانون... بل حرصنا في بلاد الغرب على الدعوة وإثارة قضايا المسلمين. ولا زال الألم لإخواني المستضعفين والمحبة لهم والإشفاق عليهم من أكبر دوافع دعوتنا التي نرى لها ثمارا ولله الحمد. ننشر السلاسل لزرع اليقين في النفوس وإزالة الشبهات واستثارة العزة الإسلامية وبث الوعي... وفي ذهننا أن هذا كله سيسهم في رفع الظلم عن إخواننا وأخواتنا واستعادة عز المسلمين.
فمن أعظم ما ينعم به الله عليك أن تحول المشاعر السلبية إلى قوى دافعة إيجابية:
إنه دين الإيجابية، دين نبينا صلى الله عليه وسلم القائل: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان" (رواه مسلم 2664). نعم، (لو) تفتح عمل الشيطان، تفتح عليك باب الندم السلبي، واليأس والإحباط والشبهات والشك في رحمة الله... فاستعن بالله ولا تعجز، وحول كل حدث سلبي إلى قوة دافعة إيجابية.
ليس الحزن أمرا مطلوبا شرعا، ولا ينبغي أن يقترن في حسنا بالدين، وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان، ليس صحيحا، وقد قال عنه ابن القيم في مدارج السالكين: (إنه حديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف). ولابن تيمية رحمه الله كلام جميل في الجزء العاشر من الفتاوى قال فيه: (وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم بل قد نهى عنه في مواضع وإن تعلق بأمر الدين).. يعني لا تبرر لنفسك بأن حزننك ليس من أجل نفسك، بل لأوضاع المسلمين. حتى هذا لا يبرر لك غلبة الكآبة عليك باستمرار- لاحظ قوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران: 139) هذا بعد معركة أحد وما تعرض له المسلمون فيها من مصائب، ومع ذلك يقول الله لهم: "ولا تحزنوا".
وقوله تعالى: "ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون" (النحل: 127) وقوله: "فلا يحزنك قولهم" (يس: 76) يعز على النبي أن يكفر الناس ويرفضوا دعوته فيأتيه الأمر من الله: "ولا تحزن عليهم" (النمل: 70) وقوله: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" (التوبة: 40). وغيرها من الآيات.
قال ابن تيمية: (وذلك لأنه - أي: الحزن - لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به). ثم بين رحمه الله أن الحزن لا إثم فيه ما لم يقترن بإثم أو تسخط. ثم ختم ابن تيمية كلامه بقوله: (ولكن الحزن على ذلك - يعني مصائب المسلمين- إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه). نعم، هذا هو الحزن السلبي الذي ننهى عنه، الحزن الذي يحطم المعنويات ويقعد عن العمل المنتج، هذا هو الحزن الذي يريده أعداؤنا لنا!
لذا، فإن من مقاصد الشيطان إدخال الحزن على المؤمنين. ومن مقاصد الشريعة إدخال الفرح والسرور على المؤمنين. قال تعالى: "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (المجادلة: 10). من مقاصد أولياء الشيطان أن يوقعوك في الحزن والمشقة. قال تعالى فيهم: "ودوا ما عنتم" (آل عمران: 118)، أي يتمنون لكم العنت والمشقة.
وتأمل هذا الكلام لابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين وباب السعادتين: يقول الإمام ابن القيم: والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه، وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن. قال تعالى: "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا". فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره. والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما. وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا. ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات وما يثاب عليه من البليات. (يعني أن المؤمن يثاب على الحزن الناشئ عن بلايا لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه" (صحيح البخاري: 5641). لكن لا يعني هذا أن يتسبب الإنسان لنفسه بالحزن تعبدا، ولا هو قربى إلى الله).
ويتابع ابن القيم فيقول: ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته. (أي قد يكون الحزن دلالة على أعمال قلوب عند المؤمن هي التي يحمد عليها، لا على الحزن ذاته). فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته، وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه. ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام. وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى.
ولكن الحزن لا يجدي عليه، فإنه يضعفه كما تقدم، بل الذي ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر ويبذل جهده. انتهى كالمه. (أي حتى وإن كانت دوافع الحزن محمودة في هذه الحالة، وهي يقظة القلب واستشعاره المسؤولية، لكن عليه ألا يقف عند مرحلة الحزن، بل يحوله مباشرة إلى قوة وأمل وانطلاق ليعوض تقصيره باستبشار واستعانة بالله تعالى).
في المقابل، إدخال السرور على المسلم من مقاصد الشريعة. في الحديث الذي حسنه الألباني جعل النبي أول عمل في أحب الأعمال إلى الله: "سرور تدخله على مسلم". هل تجد آية واحدة أو حديثا واحدا يأمر بالحزن أو يمدحه؟ بل تجد أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الهم والحزن: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن" (صحيح البخاري 6369)، ويعلمنا أدعية تذهب بالحزن.
لن تقوم قائمة الإسلام على أكتاف أناس حزينين مكتئبين بؤساء! وعندما نستعرض ما فعله أسلافنا الذين ينسب إليهم الحزن الدائم على لسان بعض الوعاظ، عندما نستعرض إنجازاتهم العظيمة في فترات وجيزة، فتحوا البلاد وجذبوا الناس إلى دين الله وتفوقوا في العديد من مجالات الحياة... نخلص إلى نتيجة أنه من المستحيل قطعا أن من قام بهذا كله أصحاب نفوس تسيطر عليها الكآبة!
عندما نستعرض حياة الشخصيات التي كانت الأكثر أثرا في تاريخ المسلمين نجد وصفها بطمأنينة النفس وانشراح الصدر وطلاقة المحيى والبسمة الهادئة على الشفاه عميقة الجذور في القلب... شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قضى كثيرا من حياته في السجن، بل وتوفي في السجن، وكاد له أعداؤه وافتروا عليه، وكان من أكثر الناس غيرة على حرمات الله وشعورا بهم الأمة، وعاصر مجازر التتار. هذه الظروف كلها ما اقتلعت البسمة من شفتيه. فقال ابن القيم واصفا شيخه ابن تيمية: (وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق. وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنا ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة، وكان يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة).
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (صحيح البخاري 6125)... عامة الناس لا يجذبهم شيء إلى دين الله مثل أن يروا بسمات الطمأنينة والرضا على وجوهنا، ولا ينفرهم عن دين الله شيء مثل العبوس والتشاؤم الذي يظنه البعض دينا! فالمسلم إنسان متفائل، يستمد قوته من ثقته بالله عز وجل.
مثل ان يروا وجوهنا كئيبة كأنها تروي للناس قصة صفقة (خاسرة) دخلناها مع الدين حاش لله!
الفرح هو الذي يجب ان يقترن بالطاعة والتدين، لا الحزن المستمر. قال تعالى: "من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" [النحل: 97].
الاستبشار هو الذي يجب ان يقترن بالطاعة. قال تعالى: "الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين امنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم" [يونس: 62 - 64].
نعيم الروح هو الذي يجب ان يقترن بالطاعة. قال تعالى: "ان الابرار لفي نعيم * وان الفجار لفي جحيم" [الانفطار: 13 - 14].
قال ابن القيم: (هذا في دورهم الثلاث ليس مختصا بالدار الاخرة وإن كان تمامه وكامله وظهوره انما هو في الدار الاخرة وفي البرزخ دون ذلك. فالابرار في نعيم في الدنيا وفي البرزخ وفي الاخرة. والفجار والكفار في جحيم في الدنيا وفي البرزخ وفي الاخرة).
نعم، الفرح هو الذي يجب ان يقترن بالطاعة والتدين. فالله تعالى امر بالفرح ونهى عن الحزن. امر بالفرح فقال: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا" [يونس: 58].
اما قول قوم قارون له: "لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين" [القصص: 76]. فلا يعني ذم الفرح عموما، بل فرح الكبر والغطرسة والاستعلاء. قال تعالى: "ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون" [غافر: 75].
أي: بفرحكم الذي كنتم تفرحونه في الدنيا، بغير ما اذن لكم به من الباطل والمعاصي.
خلاصة القول إخواني، الإسلام دين الفرح، ليس الفرح الأهوج الفارغ المصطنع، بل الفرح بالطاعة والمباح. والحزن لا يسقط عنا شيئا من واجباتنا تجاه ديننا وأمتنا. فلا يحسن بنا أن نشحن أنفسنا بمزيد من الحزن، بل أن ننطلق لخدمة ديننا بهمم عالية وأرواح مشرقة ونفوس مستبشرة، وندافع الحزن بالأخذ بأسباب دفعه. فإنك ترى في بعض المواضع التي فيها نهي عن الحزن ذكرا أيضا لما يدفعه: "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" [التوبة: 40]، فنعمل على ما يحقق لنا معية الله تعالى فندفع الحزن بذلك.
"ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" [النحل: 127 - 128]، فندفع الحزن والضيق بالتقوى والإحسان.
في مصلى العيد، نظرت إلى الخطيب يقف على مستوى مرتفع قليلا وأمامه عدد كبير، تصورت مشهدا شبيها ليوم القيامة: تصورت رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم وحوله أمته ممن سيدخلون الجنة.
قلت في نفسي: أمة محمد... من مات منهم عبر القرون، وأهل هذا الزمان، ومن سيأتي بعدهم... تعدادهم بالمليارات! فإذا تحلقوا حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقة بعد حلقة... في أية حلقة سأكون؟!
قد يقول قائل: (وهل سيكون هناك اجتماع حول النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟)، فأقول لك: ألم تسمع قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة... وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة..." فهناك قرب وبعد.
في بدايات شبابي كان في القلب خوف من الله ومحبة له. لكن جانب الخوف كان غالبا... ويساورني الشعور بالزيف والخوف من السقوط في الابتلاءات... فعرضني ربي سبحانه لابتلاءات، وكان في كل مرة معي يصبرني، يحفني برحماته، يحملني من البلاء بقدر ما أطيق ولا يزيد، وإذا صلب عودي يؤهلني لاختبار أكبر، ويجعل في بواطن البلايا تنفيسات ومنحا ومبشرات، ثم يظهر للناس مني ما يحمد ويستر ضعفي...
لم تأت اللحظة المرتقبة التي كنت أخشاها... لحظة تخلي الله عني لذنوبي وزلاتي وعلاتي... بل تمر الأيام فلا يأتيني من ربي إلا مزيد إنعام وستر ولطف ورحمة... وعلمت أنه ألطف وأرحم وأرفق وأحلم مما ظننت. حتى أحببته لصفاته العظيمة تلك ووازن حبه الخوف منه سبحانه...
ترى الطفل يلقيه أبوه في المخاوف... يقيمه على رجليه ليتعلم المشي بعد الحبو... يلقيه في الماء ليتعلم السباحة. وفي كل مرة يقيل عثرته ويمد إليه يد العون... فيحب الطفل أباه الذي يخيفه ليعلمه ويقوي عوده ويرقيه في المراتب... يمشي وعلى وجهه خوف مختلط بابتسامة وسرور، وفي صدره قلب يخفق بحب أبيه المربي المعلم.
ولله المثل الأعلى. درس ما كنت لأتعلمه، وحب ما كنت لأتشربه لولا البلايا... ولا والله ما أحب أني عوفيت ولم أنل هذه العطايا... أيها الناس، أحبوا ربكم وثقوا برحمته وحكمته وتربيته لكم... ويا رب لك الحمد، ملء جوانحي وكياني، وملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد. أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك.
سئل الشيخ محمد الغزالي: ما حكم تارك الصلاة؟ فأجاب: أن تأخذه معك إلى الصلاة.
إجابة جميلة تحتاج وقفة. لم يكن الشيخ يجهل ما يقصده السائل، فهو يريد أن يسمع: (تارك الصلاة كافر)، أو (مش كافر) أو (فاسق)...
لكن الشيخ وجه السائل لصب جهده على إصلاح حال تارك الصلاة بتليين قلبه وترغيبه وترهيبه ليذهب معه إلى الصلاة.
شباب أمة محمد صلى الله عليه وسلم تزداد قناعتي يوما بعد يوم بخيريتهم وقربهم من الصلاح وإقرارهم بأحكام ربهم إذا قدمت لهم الدعوة بلا مداهنة ولا مكياج ولا تزييف للدين، وفي الوقت ذاته مع تفهم لآلامهم وآمالهم والتضليل الذي عانوا ويعانون منه، وثقة بالفطرة التي أودعها الله في نفوسهم.
تصدر من كثير منهم تصرفات وأقوال خطرة جدا على دينهم. حتى قد يظن الرائي أن الضلال عميق في نفوسهم.
لكن... انفض الغبار عن فطرتهم، ذكرهم بالوحي، أظهر لهم الحرص على خيرهم، أحسن خطابهم، راع الأولويات، استثر لديهم محبة الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله، غير راج في ذلك منهم أجرا ولا جاعل أهواءهم تقود خطابك. وانظر إلى العجائب بعد ذلك! نفور من الشريعة ينقلب حبا وتعظيما، وإن تأخر امتثالهم لها أحيانا، لكن يقرون أنه عن ضعف منهم...
معاص منكرة أدمنوها. في لحظة يحلفون ألا يعودوا إليها لما عظم حب الله في قلوبهم فغلب حبهم لها... قد ينكثون أيمانهم ويعودون. لكن إذا ذكروا يتوبون وفي طريق الله يسيرون وإن كانوا عرجا ومكاسير!
وإني إذ أرى من ذلك المثال تلو المثال والموقف تلو الموقف لأستحضر مشهد نبينا صلى الله عليه وسلم إذ قال: "اللهم أمتي أمتي" وبكى. فأرسل الله له جبريل عليه السلام ليطمئنه: "اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك" [صحيح مسلم 202]. لا نسوؤك: يعني لا نصيبك فيها بما يلحق بك الحزن والأذى.
لن تضل أمة محمد ضلالا بعيدا بحيث يساء نبيها صلى الله عليه وسلم بمصيرها يوم القيامة... بل سيكون في كل عصر من عصورها خلق كثير يسر بهم بل ويباهي الأمم يوم القيامة.
نعم، معرفة حكم من يفعل كذا ومن يقول كذا، وفيما إذا كان وقع في ناقض من نواقض الإسلام أم لا... معرفة ذلك مهمة لأنه ينبني عليها أحكام شرعية ومعاملات. لكنها يجب أن تكون الخطوة الأولى لاستصلاح حال المخطئين بحرص كحرص النبي الذي تنتمي إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "اللهم أمتي أمتي".
أما الوقوف عند إصدار الأحكام فقد أحدث فجوة وقاد طوائف إلى الغلو في التكفير والتفسيق وما زاد عموم شباب الأمة إلا رهقا ونفورا.. وقاد في المقابل طوائف إلى تمييع وتهوين من شأن كبائر وموبقات. والخاسر في الحالين: شباب الأمة!
اعملوا لإصلاح حال الأمة... وأيقنوا أنكم منتصرون... فمعكم: فطرة أودعها الله في نفوسهم، ووحي محفوظ يخاطب هذه الفطرة، وبشرى من الله أن هذه الأمة لن تسوء نبيها صلى الله عليه وسلم إذ أن الله تعالى سيكرمه فيها.
"يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" [الصف: 8 - 9].
لا بد أن نفرح. نعم، لا بد أن نفرح! حتى وإن دخل عليك الهم لحدث عارض، فالحالة الافتراضية (default) التي تناسبك كمسلم هي أن: تفرح وألا تدع الهم ينسيك الأسباب الكثيرة التي تدعو إلى الفرح.. لأن الله امتن علينا بنعمة الإيجاد، ولا يمكن أن يمتن علينا بشيء هو تعاسة وشقاء، فلا بد أن وجودنا في هذه الحياة نعمة تدفعنا إلى أن نفرح... لأن الله اختارنا من بين جموع البشر لنكون من عباده وأتباع نبيه صلى الله عليه وسلم فلا بد أن نفرح... لأننا نحسن الظن بربنا... يجب أن نفرح... لأن المتتبع لسيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبدا أن يجد كلمة توحي باليأس ولا موقفا يحمل في طياته التشاؤم... بل هي الإيجابية والتطلع إلى الأمام... فلنا في رسول الله أسوة حسنة، لذا يجب أن نفرح... لأن النفس التي تلازمها الكآبة لا تعمر الأرض ولا تحقق الاستخلاف، فلا ينبغي أن نكتئب، بل: نفرح... لأن الناس لن يقبلوا على دين الله أفواجا إن رأونا، نحن أصحاب هذا الدين كئيبين... فكل إنسان إنما يبحث عن منهج الحياة الذي يحقق له السعادة وراحة البال... فإن لم يجدها الناس في وجوهنا فلن تجذبهم دعوتنا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
فلا ينبغي لنا أن نصد عن سبيل الله بعبوس وجوهنا وقساوة ملامحنا، بل لا بد أن نبتهج ويظهر ابتهاجنا، ولا بد من أعماقنا أن نفرح... لأن أعداءنا يريدون لنا أن نحزن، ويريدون أن يحطموا معنوياتنا، ويعز عليهم أن يروا بسمات الأمل على شفاهنا، ولأن الله كتب الأجر في إغاظتهم قائلا عن المؤمنين: "ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح" [التوبة: 120]. فيجب أن نغيظهم ويجب أن نفرح... لأن بين أيدينا كتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا، فمن باب أولى أن يجلو صدورنا ويذهب بهمومنا وأحزاننا فهو "وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" [يونس: 57]. فيجب أن نفرح. لأن الله الذي بيده القلوب إن شاء أن يسعد عبدا فلن تستطيع قوى الأرض كلها أن تتعسه... "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" [فاطر: 2]. وقد رأينا صور أطفال هشمت رؤوسهم ولفت بالشاش الطبي ومع ذلك يبتسمون ويرفعون شارات النصر... لذا، يجب أن نفرح... لأن مصير كل موحد إلى الجنة وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه... يجب أن نفرح... لأننا ننتظر أن ندخل جنة غمسة فيها تجعل أشد الناس بؤسا يقول: (لا والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)... فلا بد أن نفرح... لأننا نستطيع أن نكون أعز الناس على وجه الأرض... بأن نطيع ربنا حتى نكون أولياءه، نجده تجاهنا، إن سألناه أعطانا وإن استعذنا به نجانا، وهو تعالى يؤذن بالحرب من عادانا... فحق لنا أن نفرح... لأننا الأمة المرحومة التي قال الله تعالى لنبيها صلى الله عليه وسلم: "إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك" [مسلم 202] يجب أن نفرح... لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفرح حتى يستنير وجهه، ويفرح حتى يتهلل وجهه كأنه مُذْهَبَة، ويفرح حتى تبرق أسارير وجهه، ونحن مأمورون باتباعه... فلا بد أن نفرح... لأن أمر المؤمن كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن... فيجب أن نفرح... لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" [صحيح البخاري 69]. فيجب أن نستبشر ونبشر ويجب أن نفرح.. لأنه -حتى وإن تفوق أعداء الإسلام بالسيطرة الجوية- فالله تعالى هو القاهر فوق عباده... يجب أن نفرح... لأن اليأس من صفة الكافرين: "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" [يوسف: 87]. والقنوط من طبع الضالين: "ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون" [الحجر: 56]. فلا يجوز أن نيأس ولا أن نقنط، بل يجب أن نفرح... لأن التبسم في وجوه الناس صدقة... فعلينا أن نبتسم، وأن نفرح... لأن الله تعالى يقول: "الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" [يونس: 62]. فلا نحزن، بل نفرح... ولأنه تعالى قال: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة" [يونس: 64]. فلنا في الدنيا والاخرة أن نفرح... لأن لنا ربا خلقنا ليرحمنا، وما يحب أن يعذبنا: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وامنتم وكان الله شاكرا عليما" [النساء: 147]. فهو سبحانه غني عن أن يطلب منا أن نعذب أنفسنا بأنفسنا... بل حق لنا أن نفرح... لأن لنا ربا رحيما كريما يتحبب إلينا ويقول لنا: "هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما" [الأحزاب: 43 - 44]. فحق - والله - لمن يؤمن برب هذه رحمته وهذا كرمه وهذا تحببه أن يفرح... لأننا نؤمن برب نناجيه في لحظة فيغفر الذنوب جميعا ولا يبالي... فيجب أن نفرح...
فيا من تحمل هم أمتك... ابتسم! أعلم أن هذا قد يكون صعبا مع ما نمر به، لكن تذكر أن عبوسك لن يغيث منكوبا ولن يدفع عدوا ولن يهدي عاصيا. بل سيجعلنا نخسر مساحات من قلوب أبناء أمتنا لصالح عدونا وعدوهم... عدونا يفعل بنا ما يفطر كل قلب حي، ثم يرصد ملامح عبوسنا ليصورنا للناس قساة جفاة ويقول لهم: مع الدين وأهله الحزن والنكد والغم، وعندي الفرح والبهجة فتعالوا... فيطمس هوية أبناء المسلمين ويمسخ عقولهم ويفسد أخلاقهم... فلا تعط عدوك الفرصة، بل تصنع الابتسامة، واحتسب في هذا التصنع الأجر كما تحتسبه في اهتمامك بأمر أمتك. لا بد لسطوة الظالمين من زوال، (والعاقبة للمتقين). وختاما... لأن لنا ربا يأمرنا أن نفرح فيقول: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا" [يونس: 58]. فيجب ولا بد ولا ريب، ولا بديل لنا عن أن نفرح...
كثير ممن يهتم لأمر أمته في أيامنا يعيش حالة طوارئ مستمرة... بحيث لا يستمر في عمل طويل النفس بحضور ذهن وقناعة بما يفعل... لأنه يحس دائما مع رؤية الأخبار المؤلمة أنه (يجب عمل شيء بسرعة)، (الوضع لا يتحمل)، (الطوفان آت)، (الدور علينا)... فإذا دخل الجامعة ليتخصص في علم أحس في قرارة نفسه أنه (يضيع وقته)... وإذا سجل في دورة شرعية، أو قرأ كتابا في تربية الأبناء أحس أنه (يتهرب من مسؤوليته تجاه أمته)، وقال في نفسه: المسلمون في هذا البلد أو ذاك من البلدان المنكوبة فيما هم فيه، وأنا أنشغل بهذا الموضوع؟! بماذا سينفعهم؟ كيف سيسهم في إنقاذهم؟! وإذا لعب مع أولاده أحس بـ (الخيانة لأبناء المسلمين المنكوبين)! وهكذا... أكثر الوقت لا قناعة لديه بما يفعل... وينفس عن أحاسيسه هذه بأن يشغل نفسه بالأخبار ولو انشغالا غير نافع. يتابع، يتحسر، يسب، يغضب، ثم... لا شيء! والنتيجة: شلل في التفكير، وحالة طوارئ تنعكس على نفسيته وتعامله مع والديه وزوجته وأبنائه ومع الناس عموما، وعلى إخفاقه في دراسته أو عمله، بل وعلى دينه وعلاقته بربه.. ليس صاحب نفسية منشرحة مطمئنة.. وإذا كان صاحب مظهر ملتزم نفر الناس عن الالتزام! ويترك النجاح والتفوق لغيره ممن أفكارهم مشوشة تجاه القضايا الحاسمة في حياة الأمة كمرجعية الإسلام ووجوب الانحياز إليه في حربه مع استعباد النظام الدولي للعباد، بل وحتى أساسيات الإسلام كالوجود الإلهي وصحة النبوات والقرآن... ممن أفكارهم مشوشة أو قد حسموا أمرهم في الاتجاه الخاطئ تماما! أو اختاروا الانحياز لقوى الإفساد في الأرض... ويصبح هؤلاء هم قدوات المجتمع (الناجحين) في تعريف الناس والمؤثرين فيه. ويحتاجهم صاحب (حالة الطوارئ) في دراسته، وتوظيفه وعلاجه، ويقرأ أبناؤه رواياتهم ويتابعون نتاجهم ويتأثرون بشخصياتهم! ما أحوجنا في مثل هذا الظرف إلى التعلم من نموذج ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. عصرهما كان شديد الشبه بعصرنا من نواح كثيرة... اجتمع على المسلمين فيه التتار من المشرق (كروسيا اليوم)، والصليبيون من المغرب (كالدول الغربية اليوم) والروافض والقرامطة والحشاشون من داخل بلاد المسلمين (كطوائف الروافض اليوم)، بينما المسلمون في غاية الفرقة والتناحر. وحاول التتار التلبيس على المسلمين بتحكيم الياسق الذي يعتبر الشريعة الإسلامية (أحد مصادر التشريع) كما هو الحال اليوم... إضافة إلى ذلك بلغت الانحرافات الفكرية والعقدية ذروتها في ذلك العصر، وهي تتقاطع مع الدعوات (الحداثية) و (العلمانية) اليوم، ونشر الفلاسفة شبهاتهم حول الإسلام ولبسوا على عموم الناس كما في الدعوات التشكيكية والإلحادية اليوم. كان الوضع صعبا ومحبطا للغاية. بل ابن تيمية نفسه شرد في صغره هو وأهله؛ هروبا من تغول المغول... فهل أصيب ابن تيمية بـ (شلل التفكير)؟ بل تصدى لهذه الجبهات جميعا. وعلم وألف في كل ما ينفع المسلمين! فمن يقرأ له مبحثا في العقيدة، أو الفقه، أو الأصول، أو التفسير يحس أنه أمام شخص مرفه تتوفر له الخدمات ولا عمل له إلا التأليف والتعمق في المسائل العلمية، فيكتب بنفس طويل وتأمل عميق، علما بأنه كان ما بين حبس السلاطين وتهديدهم وفرية خصومه وتأليب العوام عليه، ومات محبوسا. تصدى ابن تيمية لكل الانحرافات الفكرية في زمانه ورد على كل أنواع المبطلين (رد على الملحدين في زمانه بالمناسبة)، ولم يقل: (كيف أكتب في هذا الأمر أو ذاك مع سوء أوضاع المسلمين وتكالب أعدائهم عليهم؟)... لم يصب بشلل التفكير، بل ترك تراثا ضخما غزيرا فريدا نهل المسلمون منه وينهلون ولا يستغنون عنه لثمانية قرون حتى الآن، حتى استحق بحق أن يسمى: شيخ الإسلام. طبعا، لم يهمل ابن تيمية جانب الجهاد، بل جاهد بنفسه وحرض على الجهاد... لكنه قبل ذلك لم يجلس متجمدا لا في العير ولا في النفير يحقر العمل في جوانب الإسلام الأخرى كما هو حال أكثرنا اليوم. وكذلك كان تلميذه ابن القيم، الذي تعجب وأنت تقرأ له في الرقائق حين تذكر الظروف المأساوية التي كتبت فيها هذه المؤلفات الرقيقة الجميلة العميقة! نعم.. لا بد أن تهتم لأمر أمتك. لكن حول همك هذا إلى همة، حول شعورك بالمسؤولية إلى ترفع عن الغفلة.. واحتسب الأجر وخدمة الإسلام في كل علم تتعلمه، وكل بسمة تبتسمها في وجوه الناس وإن كنت متألما، وفي كل لعب تلعبه مع أولادك لتقوي علاقتك بهم وتأثيرك عليهم وتنشئهم أصحاء نفسيا. وفي إعطاء كل ذي حق حقه... كم مرة رأيت هذا كلاما مستفزا و (تلهية) وقلت: (نريد عملا عاجلا لإنقاذ إخواننا)؟... كم مرة قلتها مع كل مصيبة جديدة للمسلمين؟! هل أنجدتهم بعمل عاجل بالفعل؟ أم هي مجرد ثورات عاطفية ثم لا أنت نفعتهم ولا تداركت نفسك ومن حولك، وجلست تنتظر دوركم؟! اعلم أن المعركة طويلة. تحتاج نفسا طويلا، وعملا مشاريعيا، وبناء بطيئا، وأنك تحتاج لهذا كله نفسية متوازنة، فلا تحرقها بـ (حالة الطوارئ). لن يتركك أعداؤك، وسينهشون من جسدك ويرمون الحجارة على بنائك، ويضعون العراقيل في طريقك، ويحرصون على تعريضك وأمتك لقوس أزمات لتيأس وتستسلم عن المحاولة.. لا تدعهم يغلبونك! بل اصبر.. وسيجعل مكرهم لصالحك: "فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون" [الأنفال: 36]. وتكون أنت بإذن الله قضاء الله الغالب: "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [يوسف: 21].
ولأني أحب لكم الخير كما أحبه لنفسي أشاطركم إياها: كنت من قبل إذا تعرضت لمنغصات في حياتي أو رأيت الظلم والألم الذي يعاني منه البعض، جاءني سؤال: لماذا؟ لماذا قدر هذا القدر؟ ما عندي من (قناعات عقلية) كان يسعفني ليسكن القلب، فأستحضر عظمة الله وحكمته وأقول لنفسي: لا بد من جواب وإن لم أعلمه. ثم لم يعد سؤال (لماذا) يخطر إلا على سبيل تأمل ما يمكن معرفته من حكمة الله تعالى في أقداره... وسد باب التساؤل عن أقدار الله فيما عدا ذلك! فكان بعد نقطة التحول هذه: الخير العظيم والنفع المتعدي لغيري. هذا التحول لم أرزقه إلا بالتعرض لبلاء شديد... علمت معه معنى العبودية، ومقام الألوهية، وحاجة العبد المضطر إلى الرب العظيم. بلاء فهمت معه: "وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه" [التوبة: 118]، فلا السخط ينجي، ولا التشكك ينفع، بل لا بد من اللجوء والاستسلام! يعلم الله كم فتح علي من أبواب الخير بعدها! فإذا أصابني في نفسي ما يؤلم ويحزن، نظرت فيما قصرت، وتحملت مسؤولية أخطائي، ودافعت البلايا بالأسباب المشروعة، واحتسبت الأجر، واستعنت بالله لأقلب المحنة منحة... وإذا رأيت الظلم والقهر في غيري من الناس، فلا يشغلني إلا سؤال واحد: كيف يمكن أن أساعدهم وأخفف عنهم؟ أفعال الله: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" [الأنبياء: 23]. فله الحكمة البالغة وله المجد والثناء الحسن... المهم ما المطلوب مني أنا؟ يعلم الله كم رأيت في ذلك من بركات! وكم صار العمل القليل ينفع نفعا عظيما... وكم اطمأن القلب واستراح من جهة الله تعالى، وكم رأيت من كرمه ولطفه سبحانه... كنت قبل هذا التحول أقنع نفسي بحكمة الله، وأدافع ما يطرأ من تساؤل عن القدر، وتقف القصة عند هذا الحد وأرى أني انتصرت... أما الآن، فما عدت أحتاج مدافعة التساؤلات ولا استحضار القناعات، فباب التساؤل عن أفعاله سبحانه مسدود تماما، لا يأتي إلا كعارض سطحي عاجز عن اختراق القلب: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" [الأعراف: 201]. والطاقات مدخرة فيما علي فعله، فانفتح لي من ذلك آفاق عظيمة كانت محجوبة، وأفهمني الله من حكمه في البلايا ما لم أكن قد فهمته ولا خطر لي ببال. فلكل من يتشكك في حكمة ربه: كل الأدلة ناطقة بأن ربك عز وجل أحكم وأعلم وأعظم وأرحم. وما لم يكشف لك من ذلك فلقصور عقلك وقلة فهمك عن ربك... فسد الباب تماما، وأطلق طاقاتك فيما ينفع، وانظر إلى عطايا الله بعد ذلك كيف تكون! سيهجم الشيطان عليك ليأخذ بيدك ويغوص بك في مستنقع سوء الظن، فاطرده، وقل: (الله أعلم وأحكم، وهو عز وجل بعباده أرحم... المهم: ما دوري أنا؟)... وسترى من هذه الطريقة في التعامل بركة عظيمة جدا.. سترى لكلامك وأفعالك أثرا طيبا لم تتوقعه، وبركة لم تتصور أن تكون! لأنك لم تسمح للشيطان أن يشغلك بالشك في حكمة ربك ورحمته، بل انشغلت بواجبك أمام أقدار العليم الحكيم سبحانه، فأنجز الله لك وعده إذ قال تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم" [التغابن: 11]. "ومن يؤمن بالله يهد قلبه": من يؤمن بالله بأسمائه وصفاته، وأنه تعالى العليم الحكيم لا يقدر شيئا إلا لحكمة بالغة، "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" [الأنبياء: 23]... ثم يشغل نفسه بواجبه، فإن الله يهدي قلبه: يسكنه ويطمئنه، ويهديه إلى ما ينبغي فعله لدفع الشر والظلم، ويهدي قلبه إلى الحكم البليغة في البلايا وفي الأقدار المؤلمة، ما لم يكن ليكتشفه لو قعد يسيء الظن ويعتب على القدر! إنها اللحظة الفارقة عند رؤية الشر والظلم: فإما أن تنكسر وإما أن تنتصر.
أتقنت عملك، أحسنت تعاملك، خاطبت من حولك بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يتغير شيء في الظاهر! زملاؤك، تلاميذك، زبائنك، جيرانك... المقصر في الصلاة لم ينتظم فيها، المتبرجة لم تتحجب، متابع المغنين والممثلين لم يهتم بأمر الأمة. لا تحزن، إنك لم تفشل! ما دمت قد فعلت ما فعلته بصدق وإخلاص وحسن اتباع لسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم في الدعوة... هناك نجاح كبير قد لا تشعر به، وهو تنقية قلوب من حولك من (أعمال قلوب) مهلكة، هي أخطر بكثير من المعاصي الظاهرة. هي... كانت تكره المتحجبات، بفعل الإعلام وبيئتها العائلية... والأخطر أن الأمر اختلط عليها بعد ذلك فأصبحت تكره الحجاب ذاته كشعيرة دينية، وحتى عندما كانت تقرأ القرآن مرة في السنة في رمضان كانت (لا تحب) آيات الحجاب، أو تراها منتهية الصلاحية! تعرفت عليك، رأت نموذجا آخر غير المطبوع في دماغها، أحبتك، بدأت قناعاتها النمطية تهتز، وصلت مرحلة الألفة مع الحجاب والقناعة بأنه (هو الصح)... أصبحت عندما تقرأ آيات الحجاب تستحي من ربها عز وجل وتقول في نفسها: (أنا غلطانة، أنا ضعيفة، يا رب اغفر لي، يا رب قويني). لم تتحجب، لكن... هل تعلمين حجم النقلة التي نقلتها إياها؟! يوم كانت تكره شيئا من دين الله تعالى، كان يخشى عليها أن تكون ممن قال الله فيهم: "ذلك بانهم كرهوا ما انزل الله فاحبط اعمالهم" [محمد: 9]... فكراهية ما أنزل الله من أعمال القلوب التي تخرج صاحبها من الإسلام والعياذ بالله. اليوم، أصبحت من أهل آية: "واخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا واخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم" [التوبة: 102]. أمس، كان في قلبها ما يحبط الإيمان، واليوم، يوم ألفت أمر ربها عز وجل وأيقنت بحكمته... لا زالت على كبيرة أي نعم، لكنها مما يدخل في قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 116]. فكيف تظنين بعد ذلك أنك فشلت؟! كذلك أنت أخي، وقد نقلت شخصا بفضل الله من ازدراء أهل الصلاح (وازدراء بعض شعائر الدين بالمعية، وهو الأخطر!) إلى توقير الدين والألفة مع شعائره والإحساس بأنه حين يخالفها فهو المقصر. قد لا يتغير في الظاهر، ولفترة طويلة، لكن النقلة النوعية القلبية قد تكون هي فرق ما بين الخلود في النار إلى الخلود في الجنة! فكيف تظن بعد ذلك أنك فشلت؟! بل هذا من أعظم النجاح.
كثيرا ما تجد نفسك عالقا بأوحال (قلة الإنجاز).. تصحو، تتذكر أن الأيام الماضية مرت دون إنجاز شيء يذكر في طريق تحقيق أهدافك.. تندم على إضاعة الوقت والتشتت.. تحبط.. تقول: اليوم سيكون مختلفا.. يمر اليوم ولا يكون مختلفا، فتزداد إحباطا، وتدخل في حلقة مفرغة - كرة ثلج نامية: قلة إنجاز وبالتالي إحباط وبالتالي نفس محبطة عن الإنجاز وبالتالي مرور الأيام دون إنجاز! تحتاج في هذه الحالة أن تقول لنفسك: (نقطة...سطر جديد) لن أعلق في أوحال الماضي، لن ألتفت إلى الوراء، لن أدخل في الحلقة المفرغة. وسأتطلع إلى الأمام وأستعين بالله. أنا عن نفسي، أحاول أيضا أن أتأمل فائدة من التأخيرات التي تحصل فأقول: لعلي كنت سأعمل عملا صالحا، أنجز فيه كثيرا لكن بإخلاص مشوب، وبالتالي فما فائدة الإنجاز الكثير إذا لم يكن خالصا؟ فلعل الركود النفسي يزيدني لجوءا إلى الله ويقينا بحاجتي إليه وأني بلا معونة منه - لا شيء، فأزداد إخلاصا ويصبح هذا العمل المؤخر مضاعف الأجر. أعط لنفسك نظرات إيجابية كهذه، لا لتبرير قلة الإنجاز، لكن لتخرج من الحلقة المفرغة. ستقول: لكني فعلت ذلك، وقلت لنفسي (نقطة...سطر جديد) مئة مرة... معلش! قلها ألف مرة.. ولا تدخل في الحلقة المفرغة ولا تلتفت للوراء. وتذكر أعظم حديث يحمل هذا المعنى، وهو قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" [مسلم 2664]. لذلك: نقطة...سطر جديد.
كنت في زيارة لأحد الإخوة ابتلي مؤخرا ببلايا كثيرة، منها فقده لولديه حديثي الولادة، وليس عنده غيرهما. الأخ ما شاء الله عليه كان يقول: (صابرين وراضين والحمد لله رب العالمين). فقلت له: (أنت تحزن، نعم.. ولكن حق لك أن تجد لذة مع هذا الحزن، لذة لأن الله عز وجل يصبرك، وهذا يعني أن الله أراد بك خيرا). فقال: (بصراحة، أما هذه اللذة فلا أجدها).
هناك نقطة مهمة جدا إخواني: الإنسان قد ينعم الله عليه بنعم دنيوية فلا يؤدي شكرها، فيكون استمرار هذه النعم استدراجا وتكون وبالا عليه في الآخرة. لكن إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليك بنعمة في الدين مثل أخينا هذا: أنه يبتليك ويصبرك، يبتليك ويرضيك بقضائه سبحانه وتعالى، فهذا ليس استدراجا. بل هذه نعمة عظيمة ينبغي أن تفرح بها وتجد لها لذة.. إذا هذا ليس له معنى إلا أن الله أراد بك فيها خيرا. عندما يحبب الله إليك ذاته سبحانه وتعالى، يحبب إليك رسوله صلى الله عليه وسلم يحبب إليك دينه وقرآنه.. هذا ليس له تفسير إلا أن الله أراد بك خيرا. فلما تقول: (والله معاصي بتخليني لا أشعر بلذة لهذا كله، وأحس أني لست من أهل الرحمة).. فخذ بالك! هذه ليست محاسبة محمودة للنفس! بل هذا صوت الشيطان! لماذا؟ لأن الشيطان يريد أن يحرمك من مقام الشكر. ابن القيم رحمه الله في كتابه (مدارج السالكين) قال في منزلة الشكر: (وهي من أعلى المنازل. وهي فوق منزلة الرضا وزيادة. فالرضا مندرج في الشكر. إذ يستحيل وجود الشكر بدونه. وهو نصف الإيمان - كما تقدم - والإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر). فأنت عندما ينعم الله عليك بنعم في دينك مثل الصبر والرضا ...
ومحبة الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله ينبغي لك ان تشكر. لكن لما تظل تشك في نفسك بسبب معاصيك فتبالغ الى حد انك تشك في ان الله اراد بك خيرا بهذه النعم في دينك، فانت بذلك تحرم من مقام الشكر!
الشيطان يمنعك من ان تشكر هذه النعم، بل يجعلك تظن ان الله يستدرجك بها! وبالتالي فكلما جاءتك هدية من هدايا الله سبحانه وتعالى في دينك تحسها مسمومة! لماذا؟ لانها في نظرك: (استدراج، مش انعام)!
لا يا اخي! الله ابر وارحم واعظم واكرم من ان تكون هداياه مسمومة! عندما ينعم عليك في دينك فهذا يعني انه سبحانه اراد بك خيرا. فاياك ان يحرمك الشيطان من مقام الشكر على هذه النعم. الانسان الذي لم يتضح له هذا المفهوم قد يصبح كلما انعم الله عليه زاد توجسه ان (الله يستدرجني)!
لا يا اخي! بل الله ينعم عليك بما يدل على ارادته الخير بك، وبالتالي يحق لك ان تفرح وتجد لذة وتحمد الله سبحانه وتعالى.
نعم، الله عز وجل شديد العقاب، ولكن لاحظوا التوازن القراني العظيم: "اعلموا ان الله شديد العقاب وان الله غفور رحيم" [المائدة: 98].
هذا الاخ الذي حدثتكم عنه ذكرت له اثرا عن الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود، فاستغربه. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (اكبر الكبائر: الاشراك بالله، والامن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، والياس من روح الله).
فسالني الاخ: (القنوط من رحمة الله كبيرة؟) (نعم كبيرة. فالذي يقنط من رحمة الله فهو بذلك ينتقص من صفاته سبحانه ولا يقدر الله حق قدره!).
فانظر الى توازن الاسلام: من اكبر الكبائر القنوط من رحمة الله، وفي الوقت ذاته الامن من مكر الله. كيف يعني الامن من مكر الله؟ ان تعمل المعاصي وانت تامن من اثرها في الدنيا والاخرة؛ مطمئن الى ان الله لن يطمس على قلبك بهذه المعاصي ولن يعاقبك بها، استهانة بها، او استكثارا لما تعمل من الطاعات وكانك تمن بها!
بينما ما دمت تكره المعصية وتقر بسوئها فانت على خير. وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن" [أخرجه الترمذي 2165]. لاحظ: ليس "وساءته سيئته" فقط، بل و"سرته حسنته" ايضا. مطلوب فمن علامات الايمان ليس فقط انك تستاء لما تعمل حاجة غلط، بل مطلوب منك ايضا ان تسر اذا وفقك لعمل الخير والطاعة، وان تفرح بما ينعم الله عليك في دينك كالصبر والرضا والتسليم.
بل وتجد بعض الناس يتقلبون بين الحالين. فتجد احدهم في بعض افعاله يامن من مكر الله ويغلب جانب الرجاء فيسيء، ثم يغلب جانب القنوط ويحس ان لا رجاء في الرحمة فيسيء!
فاحذر من الطرفين....واياك من مقولة: (انا يائس من نفسي)، فهذه مصيدة الشيطان الذي يقول لك: (طبعا طبعا الله رحيم لكن انت لا تستحق رحمته.. الله غفور لكن امثالك لن يوفقوا لتوبة نصوح حتى يغفر الله لهم!).
فلا تسمحوا لشيء ان يشوش على علاقتكم بالله اخواني، او يحرمكم من لذة الاستمتاع بانعامه سبحانه وتعالى عليكم في دينكم وبلوغ منزلة الشكر.
"هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام واعد لهم اجرا كريما" [الأحزاب: 43 - 44].
تقرا ايات الجهاد والاستشهاد وتتمناها لنفسك؟ هل يحترق قلبك لحال المسلمين وتشعر بانعدام الحيلة؟ اياك ان تنكسر او تحبط، بل عش حياتك بنفسية المجاهد...
تعلم العلوم النافعة المختلفة، الطبيعية والشرعية. بهمة المجاهد، وقوة المجاهد، مستحضرا ان هذه العلوم عدة حربك، تحرر بها مساحات من قلوب الناس وعقولهم من الشكوك والشبهات، ومن الياس والهزيمة، وتقيم فيها صروح محبة وتعظيم لله لا تنهدم.. مستبشرا بان عملك هذا لا يقل عن تحرير الاراضي..
مارس ادوارك الاجتماعية ابا، ابنا، زوجا، اخا، معلما، عاملا، صاحب مهنة، بنفسية المجاهد، الذي يتقن هذا كله ويعطي كل ذي حق حقه، ويعلم ان اتقان ادواره هذه معارك ينتصر فيها. ولا يضيع اوقاته في معارك جانبية او في لهو بلا غاية.
وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء يريد الجهاد: "احي والداك؟". قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد".
لست مضطرا ان تتنكر للجهاد وتخونه لتحيا حياتك باتقان واستبشار، كما انك لست مضطرا ان تتنكر لحياتك لانك بنفسية مجاهد، بل ادمج بينهما، وانظر الى الفتوحات العظيمة التي سيفتح الله عليك بها ان علم في قلبك صدقا واخلاصا.
لست مضطرا ان تتنغص لانك لم تجاهد، فتعيش محبطا، عصبيًا مع والديك، زوجتك، اولادك، فتنفرهم وتنفر الناس، وتكون هما جديدا على امتك وخادما لاعدائك وانت لا تشعر!
بل عش حياتك بنفسية المجاهدين الذين يحبهم الله: "اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم" [المائدة: 54]... مجاهد عزيز هين لين مع المسلمين.
عش، وعيشي بنفسية المجاهد، وحينها ستتحمل وتتحملين ما تلقاه من الام وطعنات في سبيل سعيك وثباتك، لانك: مجاهد، والمجاهد تصيبه الجراح ويتلقى الطعنات وهو مقدم مستمر مطمئن، لا يتوقع غير ذلك. كيف لا؟! فهو (مجاهد)..
تذكر الرجل الذي مر على النبي صلى الله عليه وسلم فراى اصحاب رسول الله من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وان كان خرج يسعى على ابوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وان كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وان كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" [صحيح الجامع 1428].
نعم، عش بنفسية المجاهد، واسال الله ان يجعل ذلك لي ولك سببا في ان يبلغنا الجهاد بالنفس والمال ويرزقني واياكم الشهادة في سبيله.
رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته في سفر، نعس بعدما وصل ليله بنهاره عملا وتعليما وعبادة وجهادا.. فيميل عن الراحلة، يراه ابو قتادة الانصاري، فياتي ليدعم رسول الله دون ان يوقظه، ثم يتكرر الامر مرة ثانية وثالثة، وابو قتادة يدعم النبي برفق..
استيقظ رسول الله فسال - في ظلام الليل -: (من هذا؟). فقال: ابو قتادة. فقال: (متى كان هذا مسيرك مني؟) - يعني من متى وانت تدعمني بهذا الشكل لئلا اميل؟ قال ابو قتادة: (ما زال هذا مسيري منذ الليلة). فقال رسول الله: (حفظك الله بما حفظت به نبيه). والحديث رواه مسلم.
ما اجملها من دعوة! ليست لابي قتادة فحسب، بل ان لكل من حفظ النبي نصيبا منها: (حفظك الله بما حفظت به نبيه).
في هذا الزمان الذي توجهت فيه سهام خصوم الاسلام الى سنة النبي صلى الله عليه وسلم. في هذا الزمان الذي تفتح قناة تلو قناة تلو قناة. ويلمع شخص تلو شخص، ويصدر جاهل تلو جاهل على القنوات، والهدف واحد: محاربة السنة. واحيانا: محاربة شخص النبي صلى الله عليه وسلم طمعا من خلال ذلك الى خلع المسلمين من جذورهم وتركهم ريشا في مهب الريح...
تذكر يا من تاخذ الكتاب بقوة، يا من تبذل من وقتك وجهدك لتتعلم العلم الصحيح وتدافع به عن نبيك وسنته، انك ان اخلصت النية في هذا كله لله، فانك مشمول ان شاء الله بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: "حفظك الله بما حفظت به نبيه"!
دعوة تؤنسك امام التضييق والسخرية وتسلط الظالمين.. فلا تحزن، ولا تخف، فانك محفوظ...
على الرغم من كل الالام فاني مستبشر بما تمر به امتنا. ومن اسباب استبشاري ان هذه الاحداث تجبر حاملي الهم على تصحيح لغة الخطاب مع الناس.. (صل يا اخي).. (تحجبي يا اختي).. (اترك سماع الاغاني).. (اتركي مشاهدة المسلسلات)..
كان هذا الخطاب يفترض ان هؤلاء المخاطبين ليست لديهم مشاكل عقدية حقيقية. وان ما ينقصهم هو سماع الدليل على ما يجب فعله او تركه، وشيء من التشجيع على الالتزام والتخويف من عواقب التفلت. كان هذا الخطاب يغتر بان المخاطبين مسلمون ابناء مسلمين، من امة المليار ونصف، فمسالة اليقينيات يفترض ان تكون محسومة عندهم.
وقد كنت من سنوات طويلة احس بان هذا الخطاب يقفز عن المشكلة الاصلية.. مشكلة ضعف اليقينيات في نفوس الناس... فكان لا ياتي بالنتائج المرجوة.
الان... ومع شراسة الهجمة.. قناعات كثيرة اهتزت... شكوك طفت على السطح.. خزان المليار ونصف يتصدع ويترسب منه من يترسب.. واصبح المصلحون يشتكون ان من يفترض انهم مسلمون صاروا يسالون عن المسلمات ويشككون فيها..
يعني عدنا الى المربع الاول، واصبحنا ندعو عددا من (المسلمين) الى الاسلام!! اتعلمون اخواني؟: هذا خير! نعم، خير.. ان تعود فتبني العقيدة من لبناتها الاولى وتحكمها قبل ان تنطلق منها للاحكام والحرام والحلال.. هذا يوجه بوصلة الخطاب الوعظي الذي كان يقفز عن المشكلة الحقيقية.
وهذا يعيد الدعوة الى مرحلتها النبوية التاسيسية التي وصفتها ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (انما نزل اول ما نزل منه - يعني من القران - سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى اذا ثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل اول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر ابدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا ابدا) [البخاري: 4993].
عدنا مع شريحة من المخاطبين الى اليقينيات: الله، النبوات، الدار الاخرة... قد يبدو مؤلما اننا عدنا للمربع الاول... لكن صدقوني، البناء المحكم يبدا من هنا... لا من خداع انفسنا بالاعداد والمليارات التي وصفها نبينا صلى الله عليه وسلم مقدما: "بل انتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل"!
وهذه العودة للمربع الاول ستكون لها نتائج عظيمة باذن الله، على ايماننا وايمان من ندعوهم. المهم ان نتصدى لهذا بهمة وعزم ويقين، لننجح في هذا الاختبار، ونستنقذ من يمكن استنقاذه... ابشروا، فان ما نراه شرا قد يكون هو ما سيحرك مياه الخير الراكدة، ويستخرج الكنوز من نفوس المؤمنين، وتكون النتيجة النهائية: الخير لهم وعلو الدرجات، والخسران للكافرين والمنافقين... فهي احداث خافضة رافعة.. "سنة الله في الذين خلوا من قبل" [الأحزاب: 62].
مع المزيد من التجارب، يتكشف لي اكثر فاكثر ان في الامة خيرا كثيرا، وازداد نفورا اكثر فاكثر من الاوصاف السلبية التعميمية التي تصف الناس بالجبن وقلة الشهامة وعدم الاستعداد للتضحية!
في الامة خير كثير، اكبر بكثير مما يبدو من انتفاش الباطل واهله وطفو غثائهم على السطح، والناس مستعدون للبذل والعطاء والتضحية، لكن في سبيل قضية واضحة مقنعة، وفي بواطنهم ينابيع خير وطاقات كامنة تنتظر كلمات التشجيع ورفع الهمة من قدوات صالحة لا تخالف اقوالها بافعالها.
والاوصاف السلبية التعميمية التي قد نطلقها احيانا على الناس كثيرا ما تكون تعبيرا عن فشل منا نحن في رفع الهمم وبلورة القضايا الواضحة المقنعة وضرب المثل الحسن لهم بافعالنا... فنبحث حينئذ عن شماعة نعلق عليها اخفاقنا في هذا كله!
كثيرا ما نتكلم عن احاديث اخر الزمان الذي يقل الخير في اهله جدا، ولسنا في تلك المرحلة بعد ولا توافرت اشراطها. اقول هذا كله وانا اعلم بالفساد المستشري اشكالا والوانا في الامة، لكني في الوقت ذاته ارى معه خيرية اعمق واصل في نفوس ظاهرها الغفلة الشديدة!
السلبية اخر ما تحتاجه الامة وابناؤها! فاعمل على استخراج الخير بكلمة طيبة وفعل طيب، فان لم تحسن ذلك فعليك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت" [صحيح البخاري: 6138].
قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: (لما كانت موقعة ميسلون في الشام من سبع واربعين سنة عام 1920 ودخل الفرنسيون دمشق ظافرين، شهدت مشهدا لا يزال منقوشا في ذاكرتي. كنت ذاهبا الى المدرسة، وكنا في اوائل المرحلة الاعدادية، فوجدت ثلاثة من الجنود الفرنسيين المسلحين يلحقون امراة مسلمة محجبة، يتحرشون بها ويمدون ايديهم اليها، وهي تصرخ مذعورة وهم يتضاحكون، والناس خائفون منهم وقلوبهم تتقطع الما. واذا بسمان (بقال) كهل يصرخ صرخة هائلة تخرج من اعماق قلبه كانها ليست من اصوات البشر: ولك شو بكم؟ ما عاد في دين؟ ما عاد في نخوة؟ عليهم!
ويثب اليهم باربع خطوات فيصير بينهم، يهجم عليهم بيديه بلا سلاح، وتسري عدوى الحماسة فيلحقه الناس. واذكر وانا ولد اني رميت حقيبة الكتب وهجمت معهم. ولم يكن مع احد من المهاجمين قطعة حديد، ومع الجنود البنادق المحشوة بالرصاص، ومع ذلك غلبوا وسقطوا على الارض ونزل عليهم الناس ضربا وركلا، فلم يخرجوا الا بثياب ممزقة واعضاء محطمة.
هذه القوة الكامنة هي مصدر العزة التي وصف الله بها المؤمنين. انها موجودة في نفوسنا لا تزال، رغم الضعف والتفرق والانقسام، ولكنها تحتاج الى من يوقظها. وهذه القوة لا يوقظها الا الايمان. [من كتاب نور وهداية للشيخ علي الطنطاوي - الجزء الاول]. الكل ينتظر من يعلق الجرس. فطوبى وكرامة لمن يبادرون.
كثير منا يعاني من (اكتئاب مقنع)، وله مظاهر، ككثرة النوم...
التهرب من الاعمال النافعة طويلة النفس الى قراءة رسائل الفيس والواتس... التهرب من الاعتناء بما يرهق نفوسنا الى متابعة المقاطع القصيرة. اهمال العناية بصحتنا. مراكمة الدراسة ومهام العمل... التهرب من الشعور بالفشل في اصلاح بيوتنا وتربية اولادنا الى احراز انتصارات وهمية في (العالم الافتراضي) من خلال الانتشاء باعجابات الناس ومشاركاتهم وتعليقاتهم على منشوراتنا التي لا نلتزم نحن انفسنا بكثير مما فيها!
وبشكل عام: التهرب من (المفيد) الى (المسلي). من اهم اسباب ذلك: (الاكتئاب المقنع). انها النفسية التي عمل اعداؤنا على تكريسها فينا بكل طريق... انها تراكمات الاف مشاهد الاهانة للمسلمين والاشعار بقلة قيمتهم، والتي يبثها الاعلام بسخاء شديد بحجة رصد الواقع! في الوقت الذي تتضافر فيه جهود الاعلام والجهات القمعية على اخفاء واجهاض جهود اصلاح هذا الواقع.
ليكرسوا في المسلمين نفسية الـ(لا جدوى)، (على الفاضي)، (خربانة خربانة)، (نحن عاجزون)... كان الاعلام يضربنا ضربات على رؤوسنا فنهيم بعدها حائرين مشتتني لا نقر على عمل نافع!
والاخطر من ذلك اننا نحن انفسنا نكرس نفسية الفشل والاكتئاب هذه احيانا بطريقة خطابنا حين نلوم الغافلين على معاصيهم والمسلمين على عدم نصرة اخوانهم المستضعفين بالتقريع السلبي التحقيري الذي رسالته: انتم سيئون فاشلون!
بل اتعلمون اخواني؟ ارى اننا نخطئ حين نظن ان اصحاب المعاصي رضوا بالحياة الدنيا وهم بها سعداء. بل كثيرا ما يكون السبب هو اكتئابهم المقنع الذي اشعرهم بقلة قيمتهم، وقلة الفرق بين حياة الايمان وحياة العصيان... هؤلاء حين نقرعهم تقريعا سلبيا فاننا نعين عليهم الشيطان الذي يشل ارادتهم عن اصلاح انفسهم ويشعرهم بالعجز والبعد عن الله.
هؤلاء... الاجدر في مخاطبتهم ان ترد لانفسهم اعتبارها في اعينهم هم، تشعرهم باهميتهم وكرامتهم على الله اذ هم بنو ادم ثم هم مسلمون... تذكرهم بفرح الله بطاعتهم وتوبتهم، وموالاته لهم بقدر توليهم اياه سبحانه، وانه سيوفقهم ويعينهم ان استعانوا به ولن يقف في وجههم شيء. وستجدهم حينئذ يانفون بنفوسهم العالية الكريمة هذه عن المعاصي ويالفون الطاعة تلقائيا!
لا تجد في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم موقفا واحدا سلبيا لام فيه اصحابه ولم يعطهم الحل والمخرج! ابدا، ولا موقف واحد! وانظر ايجابيته مثلا عليه الصلاة والسلام بعد معركتي احد وحنين على ما بدر من الصحابة فيهما من خطا.
نحن جميعا بحاجة ماسة الى تعزيز جوانب الخير والقوة فينا واعادة ثقتنا بعلاقتنا بالله تعالى لنبني على ما هو موجود بعد تثبيت ما هو موجود، ولنفشل مخططات اعدائنا من الكفار والمنافقين الذين "ودوا ما عنتم" [آل عمران: 118]، اي يحبون لنا المشقة والفشل وتحطيم النفسيات. "ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين" [آل عمران: 139].
يسالني: هل من امل؟
لست قلقا على مجيء الفرج. فاني اراه كما ارى طلوع الشمس كل يوم.. واني اخرج انتظره انتظاري للمسافر الذي سيعود.. وان لم ادركه فاني اعد له من ينتظره وينضم الى ركبه، وساسلمهم الراية قبل ان اموت. كل همي ان انقذ نفسي ثم استنقذ من استطيع الى سفينة النجاة قبل مجيء الطوفان الذي سيجرف الزبد.
اذا اخذنا بالاسباب فان الله تعالى يبارك في القليل الذي استطعناه واستنفدنا وسعنا فيه ويصنع لنا العجائب لاننا - ببساطة - اطعناه بان اخذنا بالاسباب واعددنا ما استطعنا. في معركة الخندق اخذ النبي بالاسباب الى ابعد حد:
ومع ذلك جاءه النصر من حيث لم يحتسب!: "ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا" [الأحزاب: 25].
(عبارات نسمعها ونقرؤها) (انظر كيف يستهزئون بالاسلام.. لا حول ولا قوة الا بالله!). (انظر كيف ينشرون الفساد. حسبي الله ونعم الوكيل!) صديقي، ماذا استفدت من كلامك هذا؟
عندما نرى صراعات بين طائفة من المؤمنين وطائفة من اعدائهم فاننا كثيرا ما نقول ان المؤمنين هزموا في هذه الجولة او ان النصر تاخر عنهم. فهل تعريفنا للفوز والهزيمة تعريف سليم؟ نحن كمسلمين نؤمن بالاخرة وبان المحسن والمسيء لا يوفى جزاءه في الدنيا نعرف الفوز بتعريف الله عز وجل له. كيف عرف الله تعالى الفوز؟ هل تتذكر اية تعرفه؟ قال تعالى: "فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز" [آل عمران: 185].
نحتاج ان نستحضر هذا المعنى ونحن نرى معاناة المسلمين. فالذين يقتلون على الايمان منهم هم بهذا المعنى الان ان شاء الله فائزون. اهل الاخدود عذبوا وحرقوا احياء، ومع ذلك قال الله تعالى في سورة البروج التي تتحدث عن مصيرهم: "ان الذين امنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير" [البروج: 11].
في الحديث الذي رواه البخاري ان حرام بن ملحان من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طعنه مشرك غدرا برمح في ظهره نفذ من صدره، فجعل حرام يضع يده على الدم ويمسح به وجهه وهو يقول: (فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة)! فاهم اشكال الفوز والنصر في ديننا ان تموت وانت ثابت على دينك.
انظر الى قوله تعالى: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" [النساء: 141]. فمن تسلح بالايمان فان قوى الكفر كلها لن تجد سبيلا الى رده عن دينه، وليفعلوا بعد ذلك بجسمه ما يشاؤون، فروحه في حماية الله الذي لن يجعل لهم عليها سبيلا. اليس هذا فوزا عظيما؟!
قال الله تعالى: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما" [الفتح: 5]. هو كذلك عند الله: فوز عظيم، وبالتالي فهو كذلك حقا: "والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" [الأحزاب: 4]. وهو كذلك عن المؤمنين بالحق سبحانه: فوز عظيم.
في المقابل، فان شر اشكال الهزيمة هو ان تتخلى عن شيء من دينك امام مكر وحرب اعداء الدين. فماذا تفيدك سلامة جسدك حينئذ ان وقعت بك الهزيمة النفسية الروحية؟! فتمسك بدينك ليشملك قوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون" [آل عمران: 139]. اذن انتم الفائزون المنتصرون، لكن لاحظ الشرط: "وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين". هذا هو الشرط لعلوك وفوزك: ان تعيش مؤمنا فلا يجعل الله للكافرين عليك سبيلا، وتموت مؤمنا فتزحزح عن النار وتدخل الجنة.
احد الاخوة الفضلاء له جهد مشكور في توعية الناس والدفاع عن دين الله تعالى، ارسل لي رسالة يخبرني فيها عما بلغه من حال بعض ابناء المسلمين من الردى والجهل بالدين والرفض لشرائعه. وختم كلامه بقوله: (لا اخفيك اني اصبحت اشعر بالاحباط). فاقول لهذا الاخ الكريم ولاخواني واخواتي جميعا:
لا مكان للاحباط! بل اني اراني اراكم (محظوظين) او منعمًا علينا ان اوجدنا الله في هذا الزمان لنعمل ونصلح ما استطعنا ونحصد من الحسنات ما الله به عليم ان صلحت نياتنا وصح سيرنا على صراط الله المستقيم...
لا مكان للاحباط! بل اني ارى ايات كثيرة كان الله انزلها لتمنع من هذا الاحباط وتوجد محله الهمة العالية... ايات تمنعنا من ان تذهب انفسنا حسرات على الخلق... فلا ينبغي لنا ان نقف عند الالم والاستياء والتوجس من المستقبل، فكل ما يجري وسيجري انما هو ضمن احاطة الله، وبتقدير منه، قدره لحكم قد نعلم بعضها ويخفى عنا كثير منها.
ايات كثيرة ستفهمها اذا نظرت اليها من هذه الزاوية:
لعلك كنت تتساءل: ما سبب كثرة ذكر القران لهذه الحقيقة - ان كل اعراض هؤلاء لا يخرج عن تقدير الله؟ ولا هو شيء اعجز الله ان يمنعه؟ فاقول: هذه الايات كلها تنادي علي وعليك: ان لا تياس ولا تحزن، بل اغتنمها فرصة، واحمد الله ان هداك اذ ضل غيرك، واستعن به سبحانه بروح لا تقهر وعزيمة لا تفتر وهمة لا تنكسر. وانظر لهذا الواقع على انه ارض خصبة تبذر فيها بذور الدعوة وترى باذن الله بوادر حصادها، وجبالا من حسناتها عند الله يوم القيامة.
بهذه النفسية اتعامل مع الواقع، الذي اعترف بصعوبته. لكني اراه فرصة في الوقت ذاته، واحول الالم الى امل وعمل، والحمد لله اني ارى اثار هذه النفسية في دافعيتي المستمرة للدعوة، وفي تفاعل كثير ممن ضل من ابناء المسلمين مع ما انشر، وعودتهم بعد شرود، وزيادة اخواني واخواتي اعتزازا وثباتا واستبشارا. لا مكان للاحباط، بل هي فرصة تاريخية، منحة اختصنا الله بها... عن علم وحكمة وكرم ورحمة... فاغتنمها.
دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده جالسا واجمًا ساكتًا، فقال عمر: لاقولن شيئا يضحك النبي صلى الله عليه وسلم. علق ابن حجر في شرح الحديث: (فيه استحباب من راى صاحبه مهموما ان يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه).
عندما نرى اخوة لنا مهمومين ونسالهم عن السبب فيخبروننا، فاننا كثيرا ما نزيد همهم بالكلام السلبي.
ماذا نستفيد من زيادة هم بعضنا البعض؟ لو (خففت دمك) مع صاحبك المهموم بمزاح مشروع لا كذب فيه، قاصدا التفريج عنه فانك توجر على ذلك، بالاضافة الى كسب قلبه اذ ترتبط رؤيتك عنده بالتخفيف من الهم. لذا، اكسب اجرا باضحاك اخيك!
صحيح اننا مقصرون، لكن - ومن قبيل التوازن - علينا ان نتذكر عظم وكرامة اننا: مسلمون. ان هنا - كامة مستضعفة - على الناس ثم عدنا فظننا اننا هنا على الله كذلك، فان هذا يضعف عزيمتنا ورجاءنا في استجابة الله لدعائنا.
عليك ان تحاسب نفسك وتزكيها، لا ان تجلدها وتحتقرها. فيك ميزة كبرى مهما اسات واذنبت: انك مسلم تقر لله بالوحدانية وتعظم شرعه ولا ترضى به بديلا، وهذا سبب كرامة عظيمة وقربى عند الله. فابن على ما فيك من خير لتعوض النقص، ولا تنظر لنفسك بعين الازدراء.
اخي، اتعلم ما معنى انك (مسلم)؟ اختي اتعلمين ما معنى انك (مسلمة)؟ انك تقر بالحقيقة العظمى التي من اجلها خلق الله السماوات والارض وارسل الرسل وانزل الكتب وخلق الجنة والنار. لذلك فقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم ان من اعظم التوسل الى الله ان تتوسل بتوحيدك فتقول: (اللهم اني اسالك باني اشهد انك انت الله لا اله الا انت الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد).
وفي الحديث الصحيح ان العبد يؤتى به يوم القيامة فتنشر له سجلات سيئاته كل سجل منها مد البصر، ثم توضع بطاقة عليها (اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله)، فيقول العبد: (يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟!)، فيقول: (انك لا تظلم)، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتثقل البطاقة وتطيش السجلات.
الثلاثة الذي سد عليهم الغار فدعا كل منهم الله بارجى عمل له... هم لا يمتنون على الله باعمالهم هذه، ولكن كانهم يتوسلون الى الله ويسترحمونه بانه وفقهم الى هذه الاعمال الصالحة فاشعرهم انهم من اهل كرامته واطمعهم في رحمته ومعيته. ليس شرطا انهم كانوا صالحين في سائر حياتهم، فانظر مثلا ثانيهم الذي كاد يستغل حاجة ابنة عمه ليراودها عن نفسها، لولا ان منعته تقوى الله في اخر لحظة، وليس هذا حال زاهد عابد، ومع ذلك فقد استجاب الله له وفرج عنه.
هل نعدم نحن اعمالا صالحة نتوسل بها عند الله تعالى؟ ردد في نفسك: (انا احب الله، انا اعظم الله، انا اغار على حرمات الله، انا لست سيئا كما يوهمتي الشيطان ليبعدني عن الله، بل احب الله وارجو انه تعالى يحبني).
مع الحرص الشديد على الا تقع فيما يمس جوهرتك الكبرى (توحيدك) مما انتشر في هذا الزمان كالاستخفاف بشرعه تعالى او تقديم تشريعات البشر عليه وجعل الطاعة المطلقة لغيره سبحانه. عندما تقرا قوله تعالى "ان رحمت الله قريب من المحسنين" [الأعراف: 56]، لا تقل: واين انا من المحسنين وفي من المعاصي كذا وكذا؟! بل قل: (توحيدي لله وتعظيمي لدينه احسان، فلست مطرودا من هذه الاية بالكلية، لكن علي ان اخلص من ذنوبي لتكون رحمة الله مني اقرب واقرب).
هذا ما ينبغي ان يمتلئ به قلبك في مواسم الخيرات والرحمات مثل رمضان ومثل يوم عرفة، لتدعو الله برجاء ويقين. قال عبد الله بن المبارك: جئت الى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان، فالتفت الي فقلت له: من اسوا هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن ان الله لا يغفر له. والله تعالى اعلم.
اخ حبيب اتصل بي قبيل العشر الاواخر من رمضان... لمس مني ضيقا من امر ما، فابدى اهتماما وامضى معي وقتا طويلا وهو ينصحني بما اوتي من علم، مع انه كان مشغولا لانه يريد اتمام ترتيباته قبل الدخول في الاعتكاف في (شبه مصلى) مع ظروف الكورونا. وقال لي قبلها كلمة لا زلت احفظها: (قبل ان ادخل الاعتكاف اريد ان اعمل لفة -جولة- على الدعاة ارفع معنوياتهم)!
ما احسنه من استثمار للوقت، وما ارفعها من قربى، وما اعظمه.
من توفيق، وما أنفع العلوم التربوية المعينة على ذلك، والتي لا نتلقاها في المدارس ولا في الجامعات! تقربوا إلى الله برفع معنويات إخوانكم، ولو بالكلمة الطيبة، أو حسن الاستماع لهم وإبداء الاهتمام بمشاكلهم.. (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
عندما أرى إقبال المسلمين المذهل على مواسم الخيرات مثل صلوات التراويح. على الرغم من القصف المكثف على عقيدتهم بدعوات الإلحاد والشبهات وتسميم المناهج المدرسية.. وعلى الرغم من القصف المكثف على أخلاقهم عبر آلاف القنوات التي تزين الشهوات.. وعلى الرغم من القصف الحربي المكثف في بعض البلدان على دورهم ومساجدهم برا وبحرا وجوا.. وعلى الرغم من أن ملل الكفر لم تجتمع كلها بلا استثناء إلا على ملة الإسلام. أدرك عظمة هذا الدين الذي شاء الله له أن يبقى ولو كره الكافرون. وأدرك عمقه في فطرة الناس مهما حاول الشياطين أن يقتلعوه.
قد يقول قائل: لا تغرنك هذه الكثرة، فقد قال ابن عقيل: (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم بـ "لبيك"، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة) أي موالاتهم لأعداء الشريعة من الظلمة والمتسلطين وغيرهم. صحيح... لكننا في حرب وجودية تستهدف اقتلاع الإسلام ورد المسلمين عن دينهم بالكلية. فلنا أن نفرح بتنكيس الله لأعدائنا ومخططاتهم وبمظاهر حب المسلمين لربهم ولدينهم ومظاهر الحياة في هذه الأمة، التي تحتاج إلى من يوجه كوامن الخير فيها وسترى منها حينئذ العجب، ولن يقف في طريقها شيء... أمة تمرض لكنها لا تموت.
ما لدي كمسلم ليس (الأمل)، بل اليقين. فالأمل تصور إمكانية حصول المطلوب.. أما مع الإيمان، فالمطلوب حاصل على كل حال: (فإن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).. مع الإيمان، فكل ما يأتي من ربنا هدايا، والفرق بينها إنما هو في الغلاف، فالبلاء غلاف مكروه، والسراء غلاف محبوب، وفي الداخل هدية جميلة في الحالتين. فما لدي ليس (أملا) يمكن أن يصيب أو يخيب، بل ربح مضمون... المهم أن أسعى لرضا الله ليكون كل ما يأتيني منه خيرا له، وهذا أمر بيدي أن أسعى إليه، دون انتظار لمجاهيل القدر.
عندما نسمع البشريات القرآنية والنبوية بانتصار دين الله، فتح روما، دخول هذا الدين لكل بيت... قد نقول في أنفسنا: (وماذا يعنيني أن ينتصر الإسلام "يوما ما"؟ أنا أريد أن أتخلص من القهر وأعيش العزة في زمني. لا تحدثوني عن الولاء للإسلام وحب انتصاره.. هذا موجود لدي بالتأكيد.. لكن أريد أن أكون أنا أيضا منتصرا). بل يعنيك! فأولا: استحضر أنها معركة ممتدة زمانا ومكانا، فيها جولات والحرب سجال... لكن الجميل في الموضوع أن نتيجتها النهائية محسومة بها بشارات صدق: النصر لك ولجيشك ولدينك. كل ما عليك فعله هو أن تحرص أن تكون من (الطائفة المنصورة) الممتدة عبر التاريخ والمنتصرة حتما في النهاية، وألا تكون من الفرق الضالة عن الطريق. فالمعارك الحاسمة التي سينتصر فيها المسلمون أنت جزء منها. وفرق كبير بين أن تعاني في معركة لا تعرف نهايتها، وتشك أن الغلبة ستكون للعدو فيها، وفي المقابل أن تعاني، بل وتقتل، في جولة من معركة تعلم يقينا أن النصر فيها في النهاية لجيشك، جيش الطائفة المنصورة الممتدة، بل وأن موتك قبل أن تجني الثمار أعظم لك في الأجر. ثانيا: هذه البشارات القرآنية والنبوية تعني أن هذه الأمة لن تموت في يوم من الأيام.. مهما مرضت وضعفت وكاد لها أعداؤها. لن ينقرض المسلمون ويأتي أناس من كوكب آخر لينصروا الدين! إن لم يكن النصر في زماننا فسيكون على يد ذرية من أبناء المسلمين. ودورك أن تقارع وتصبر وتصابر في جولتك وتسلم الراية لأبنائك ليستكملوا المشوار، وتزرع فيهم هذه الرؤيا: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]، {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173]. يضاف إلى ذلك أن الإسلام منصور دوما بغلبة حجته وبرهانه على كل باطل، وأن المسلم فائز فوزا مباشرا إن مات على ما يرضي الله حتى وإن قتل من عدوه... فبعدها خلود له في الجنة وخلود لعدوه في النار.. {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185]. الإسلام منتصر.. طيب، وبالتالي؟! مع كل خبر من أخبار الحرب على الإسلام تجد من يعلق: (الإسلام منتصر لا محالة).. (الله غالب على أمره).. (مهما فعلوا فلن يطفئوا نور الله).. صحيح.. لا شك... وهناك بشارات في السنة الصحيحة لم تقع بعد حتى نقول أنها إنما كانت للماضي وما بقي إلا أفول شمس الإسلام، بل نحن ننتظرها.. وسيظهر الله أمره لا محالة، وسيذهب أعداء الإسلام والكائدون له إلى مزبلة التاريخ ثم يركمهم الله جميعا فيجعلهم في جهنم... لا نشك في ذلك طرفة عين. لكن ليس هذا هو السؤال! بل السؤال: أنا وأنت يا من تقول هذه العبارات.. أين سنكون أو سيكون أولادنا يومئذ؟! في سفينة النجاة أم في الطريق إلى مزبلة التاريخ؟! كثير منا يقول عبارات التفاؤل هذه وكأن "مشكلته" سوف تحل بانتصار الإسلام... يؤسفني أن أقول لك: قد تكون (مشكلتك) هي انتصار الإسلام نفسه! قد تكون مشكلتك أنك أو ذريتك ستوضع على المحك، ولم تتجهز له ولا جهزت أبناءك، فتكون حينئذ في صف الأعداء الذين سيكنسهم الإسلام من طريقه! كثير منا قد يكتب عبارات التفاؤل وهو في طريقه إلى المسجد بينما أبناؤه أو من يمكنه التأثير فيهم (يعيشون) في غيبوبة، وينسلخون يوميا عن هويتهم الإسلامية، قد فتحوا عقولهم وقلوبهم لأعداء الإسلام يملؤونها شهوات وشبهات وشكوكا في الدين ونفورا من أحكامه! على الموبايلات، أو في الشوارع برفقة الكلاب التي اشتروها تقليدا للغربيين! لا تحدثني عن البركان الخامد الذي سيثور في قلوب هؤلاء يوم تحتدم المعركة! فالمسألة لم تعد شهوات وسكرات ينفضها الإيمان العميق فجأة كما في قصص التائبين! بل المعركة قد انتقلت إلى هذا الإيمان تخنقه وتقتلعه من قلوبهم لتحولهم معاول هدم للإسلام من الداخل وخناجر في ظهره. نعم. الإسلام منتصر لا محالة. بعز عزيز أو بذل ذليل... لكن السؤال: في أي الصفين سنكون ويكون أبناؤنا يومئذ؟! صف الأعزة أم الأذلة؟ المؤمنين أم المنافقين؟ الصابرين أم المطأطئين رؤوسهم لأعداء الإسلام؟! هل سيكون أبناؤك ممن سيفاخر بهم محمد صلى الله عليه وسلم، أم حسرات عليك يوم تدرك أنك سمنتهم للنار؟! لا تخف! دين الله ليست لديه مشكلة.. فهو: (دين الله)! المشكلة مشكلتي أنا وأنت أن نعمل لركوب سفينته يوم ينتصر: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} [فاطر: 15-17]. ورحم الله القائل: (والله إن النصر فوق الرؤوس، ينتظر كلمة "كن" فيكون، فلا تشغلوا أنفسكم بموعد النصر، انشغلوا بموقعكم بين الحق و الباطل).
كثيرا ما نسمع: ماذا تنفعك محبة الرسول إذا لم تكن ممن يطيع أمره ويترك ما نهى عنه؟ فأقول: بل تنفع المسلم! وتنفعه جدا! قد نخاطب بالعبارة المذكورة (ماذا تنفعك محبة الرسول) أصحاب الإيمان الثابت على سبيل استنهاض هممهم لطاعة الله ورسوله.. أما المعركة الآن فهي معركة على الإسلام نفسه: تكون مسلما أو لا تكون! نحن الآن ننادي كل من ينتسب إلى الإسلام: الأولوية الأولى: حقق الحد الأدنى من الإيمان الذي ينجيك من الخلود في النار، بأن تعظم الله ورسوله وتحب الله ورسوله وتتبرأ من أعداء الله ورسوله وتتمايز عنهم ولا تصطف في صفهم ولا تواليهم... حتى إن كنت عاصيا/ شارب خمر/ آكل ربا/ متبرجة/ عاق والدين... إلخ. إياك أن تقول: (أنا عاصي، ماذا ينفعني ذلك؟) بل ينفعك بأن يجعلك في زمرة من في قلبه إيمان وينجيك من الكفر ويدخلك في قوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. روى البخاري أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اسمه النعيمان كان يجلد لشربه الخمر، فأتي به مرة ليجلد فقال رجل من المسلمين: (اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟) يعني ليجلد على الخمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله"! (صحيح البخاري 6780). فانظر كيف نفعته هذه المحبة. الخطوة الثانية: حول هذه المحبة إلى دافع لك لتطيع ربك الذي تحبه وتعظمه، ورسولك الذي تحبه وتعظمه، وتتخلص من ذنوبك، مستعينا بالله تعالى، بعد أن بنيت على الخطوة الأولى وتعززت نظرتك لنفسك. محمد صلى الله عليه وسلم نبي المسلمين كلهم، مطيعهم ومذنبهم. وهو إمامنا كلنا وحبيبنا كلنا. اللهم أحينا وأمتنا على محبته ونصرة دينه، واحشرنا تحت لوائه.
أراك تحس بالضعف، فاقدا الدافعية إلى العمل، نظرتك إلى نفسك مهزوزة، أيامك تمر هباء، قلقا من المستقبل... لجأت إلى الأقرباء والأصدقاء من حولك... شكوت لديهم همك، أردتهم أن يرفعوا معنوياتك... فلم تجد مطلبك عندهم... ووسعت دائرة بحثك فسألت البعيد والغريب... ولم تجد الأمل عندهم أيضا! أليس كذلك؟! ثم بدؤوا يتهربون منك... لأنك لم تعد مصدر أنس لهم، بل أصبحت بشكواك (مملا) بالنسبة لهم تزيد همهم هما! أليس كذلك؟ بل وجدت أن الكل مثلك! مهزوز من الداخل، لكن الفرق أنهم يتصنعون السعادة ويخدرون أنفسهم ويخافون من مواجهة مشاكلهم! وأنت لم تعد تطيق... عدت من رحلة بحثك الطويلة وقد ازددت هما! تتجاذبك المشاعر: (لماذا كسرت نفسي أمامهم؟ ماذا استفدت من إظهار ضعفي لهم؟! لقد خذلوني جميعا، لم يساعدوني وأنا في حاجة إليهم!) ثم عدت فقلت: (لكنهم هم أيضا عندهم همومهم كما رأيت... كيف يعينونني وهم ضعفاء من الداخل كما أنا ضعيف؟ هم -مثلي- بحاجة إلى جبر خواطرهم ورفع معنوياتهم). أليس هذا الذي حصل معك؟ تريد نصيحتي، بل توجيه ربك جل وعلا: ألست تقرأ في كل ركعة {إياك نستعين} [الفاتحة: 5].. أي (لا نستعين إلا بك يا رب)؟ قلها صادقا! تريد نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم؟: "وإذا استعنت فاستعن بالله"... بالله وحده، لا بأحد غيره. تريد نصيحة الأنبياء عليهم الصالة والسلام: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] كما فعل يعقوب عليه السلام... لا تشكو إلى غيره. حينئذ: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3]... الله وحده كافيك. توكل بصدق وانقطاع رجاء من كل شيء إلا من الله وحده... أتعلم ما سيحصل بعدها؟ سيمنحك الله الإرادة من جديد... ويعطيك القوة من جديد... ويفجر طاقاتك من جديد... وتصبح أنت منارة لهؤلاء الذين طلبت عونهم بالأمس! قدوة لهم.. تحيي همتهم.. تجبر خواطرهم.. تلهب حماستهم.. وتدور عجلة الحياة من جديد! لا يتعارض هذا مع طلب النصيحة أو التعزيز من أصدقاء تثق بحكمتهم ويغلب على ظنك أن يفيدك كلامهم، أو طلبها من معالج ماهر يتقي الله إذا كان لديك أعراض اضطراب نفسي. لكن كلامنا هنا هو عن البوح السلبي لمن لا ينفعك الشكوى له بل قد تضر. فالإمساك عن بث الهموم لهؤلاء أجدى وأحفظ لكرامة النفس ولحسن علاقتك بهم.
لماذا تحصل للمسلمين هذه الابتلاءات؟ أين السعادة التي يحققها الإسلام لمتبعيه؟ الجواب: هناك حقائق نتهرب من مواجهتها لأننا نستثقلها. التهرب لا ينفعك، بل يوقعك في حيرة واضطراب كما حصل لأصحاب هذا السؤال. واجه الحقيقة، سلم لها، تقبلها، اعمل بحسبها... يعطك الله الطمأنينة. الحقيقة التي نتهرب منها هي أن هذه الدنيا دار بلاء وليست دار جزاء، وأن عقد الإسلام الذي وقعناه لم يعدنا بألا نبتلى، بل على العكس تماما. لقد تكرس في نفسياتنا أن اإلسالم والتدين يعني تلبية رغباتك الدنيوية لأن منظومتنا التربوية في البيت، في المدرسة، في خطبة الجمعة تتسم عموما بقلة الصدق والجدية في التعامل مع أمر الدين، وباالهتمام بإنجاز السلوك أكثر من غرس القيم، وباالستعجال في قطف الثمار والتهرب من العمل لآلخرة... نتيجة لضعف اليقين أو غلبة الدنيا على تفكيرنا: (صل حتى تنجح في دراستك) ... (تصدق حتى تدفع الشر عن مالك) ... (ابتعد عن المحرمات حتى يوفقك الله في حياتك) ... هناك عبارات نراها قليلة التأثير: (حتى يرضى الله عنك)، (حتى تدخل الجنة) ... فندعمها بمحفزات دنيوية، أو نجعل ثمرتها دنيوية: (يرضى الله عنك فيوفقك في عملك أو دراستك)! مع أن هذه المحفزات الدنيوية ليست جزءا لازما من عقدنا مع الله تعالى. (يعني ما تعلمناه عن ديننا كان خطأ؟!) نعم، كان خطأ... وهذا ليس ذنب الإسلام، بل خطأ منظومتنا الفكرية التربوية. حين عاهد النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار قبل الهجرة قال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة". قال فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة -وهو أصغرهم- فقال: رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف أما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وأما أنتم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله قالوا أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة. (أخرجه أحمد 14456). كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حفز الصحابة لشيء قال: (من يفعل كذا وكذا وله الجنة). كثيرا ما نتهرب من هذه الصورة الجادة التي لا يصبر لها إلا أهل اليقين. هي جادة قليلة الزخارف، لكنها عظيمة تجعل لحياتك معنى ولا يرضى بها النبلاء بدلا. {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111]... هذه الضمانة لكل مؤمن: الجنة. أنت حين أسلمت... ألم تكن تعلم بهذا؟ هل فاجأك الإسلام بغير ما تم التعاهد عليه؟! هل أضاف الإسلام بنودا بعد الاتفاق والتوقيع؟! حين قلت: (رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا)، ألم تكن تعلم أن الله تعالى قال: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [آل عمران: 186]؟! ألم تكن تعلم أن الله قال: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155]؟! ألم تعلم بأنه قال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31]؟! ألم تكن تقرأ قوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 2]... ألم تكن تعلم بحال النبي وأصحابه في المرحلة المكية؟! هل فاجأك الإسلام بغير ما تم الاتفاق عليه حتى تتشكك وتستاء؟! ستقول لي: يعني الإسلام لا أثر له في سعادة الحياة الدنيا؟ بلى، الجماعة المؤمنة موعودة بالتمكين في الأرض والتبديل من بعد خوفها أمنا... أما الأفراد فكم منهم عانى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي قبل أن يرى النصر وله في الآخرة جزاء الضعف... ومع ذلك كان هؤالء أيضا في نعيم دنيوي هو نعيم الأرواح والقلوب. انظر إلى الآيات التي تبشر المؤمن بحياة طيبة: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97]، وقوله تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 64]. هتان آيتان في سورتين مكيتين (النحل ويونس)... في مرحلة اضطهاد المسلمين... ومع ذلك فهل استشكل الصحابة فهمهما؟ هل قالوا لرسول الله أين الحياة الطيبة ونحن نقتل ونعذب؟ بل قرأوا الآيات وفهموها وعلموا أنها لا تعارض واقعهم لما وجدوه من نعيم قلوبهم. حياة الرضا والصبر والاحتساب والتطلع للآخرة والشوق إلى الله واستخص النفس في سبيله وحسن الظن به واليقين بمعيته. نعيم هو الذي قلب سحرة فرعون في لحظة من دجالين إلى صديقين لا يعبأون بتهديد فرعون، بل يقولون له: {لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا * إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [طه: 72-73]. الطينيون المشككون سيهزأون بنا ويقولون: انظروا إلى هؤالء يصبرون أنفسهم بمثل هذا... ولا غرابة فهم لم يذوقوا هذا النعيم فكيف يفهمون؟! قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم: 6-7]. فلهم ظواهر من مأكل وملبس وزينة وتفاخر... حياة بهيمية. ويوم القيامة سيعلمون أنها لم تكن حياة أصلا، وأن ما تصبرنا به هو الحياة: (يقول يا ليتني قدمت لحياتي)... أي الحياة الحقيقية في الآخرة. {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} [الروم: 60].
في صالة الفجر لفت نظري قول الله تعالى: {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين} [الأنفال: 18]. يعني يضعفه.. لا تقلق كثيرا من كيد الكافرين ودراساتهم ومراكز تخطيطهم ومؤتمراتهم ومؤامراتهم وترساناتهم وميزانياتهم للصد عن سبيل الله. كل ما عليك كمسلم هو أن تعمل على بصيرة. والله يوهن كيدهم.
إخوتي الكرام، عندما يتعرض أحدنا لما يحزنه فإن من أعظم ما ينفعه الله به أن يوفقه لمراجعة نفسه وتصويب أخطائها بدلا من الانشغال بالتظلم من الآخرين والشكوى منهم. على مواقع التواصل الاجتماعي قد يصيبنا الغم والهم من تفاعلنا مع بعض الناس وسماع أذيتهم. تعالوا نرى أسباب ذلك على ضوء الكتاب والسنة: 1- التقصير في الإخلاص: فأحدنا عود نفسه على أن يتخذ من الإعجابات والمشاركات والتعليقات الإيجابية على المواد التي ينشرها مصدرا لتعزيز نفسه ودفعها إلى نشر المزيد من الكتابات. وقد ينسى في ذلك تجديد النية واستحضار الإخالص وجعل مرضاة الله عز وجل هي المحرك الأساس، وأن يجتهد في إصابة الحق ثم يكون ممن قال الله فيهم: {ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54]. إذا قصرنا في ذلك فإن صدورنا تضيق عندما نسمع ما يسوؤنا من البعض، لأنا عودناها على الحفاوة الزائدة بكلام الناس. وكما سررنا بمن يمدحنا بما ليس فينا، فإنا نجازى بمن يذمنا بما ليس فينا! 2- الاشتغال بالضمان عن الأمر: أمر الله عباده بأوامر وضمن لهم ضمانات. فالسعيد من اشتغل بالأمر، مؤمنا أن الله أصدق ضامن. والمحروم من انشغل بما ضمنه الله عما أمر به فأضاع كليهما! قال الله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38]. الأمر: أن تكون من الذين آمنوا، والضمان: أن يدافع الله عنك. وأقسم نبينا صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أمور منها: "وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا". والصبر المقصود هو الصبر الجميل، لا الصبر الذي يخالطه كثرة تأفف وقيل وقال وانشغال عن الدعوة النافعة. فاشتغل بما أمرك الله به وثق تماما وآمن بأنه سيدافع عنك حينئذ. 3- مخالفة أمر الله بالإعراض عن الجاهلين: طبعا ليس كل من يخالفنا جاهل، لكن البعض لديه جهل في أسلوبه إذ يعتمد السباب أو الطعن في النوايا. ماذا أمرنا الله أن نفعل مع هؤالء؟: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199]. فالله تعالى يعلم أن الذي يأمر بالعرف لا بد أن يتعرض له الجاهلون، فأتبع هذا الأمر بقوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين}. ضيق صدرك قد يكون عقوبة مخالفة أمر الله، إذ تحرص على رضا الجاهلين أو تشغل نفسك بمتابعة ما يقولونه فيك والرد عليهم. وقال تعالى في وصف عباد الرحمن: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72]. ومرور الكرام يتطلب أيضا ألا يقف الإنسان عند كل من يؤذيه وينال منه. من خالف أمر الله في هذا فإنه يبتلى بسيطرة أذية الجاهلين على تفكيره، فيصبح موجهه فيما يقول ويفعل طلب مرضاة الناس وكف أذاهم، وبما أن رضا الناس كلهم غاية لا تدرك، وما يرضي بعضهم يسخط الآخرين، فإن طالب رضاهم يتخبط ويرتدد وتتذبذب مواقفه وتخرج كلامته خجولة خائفة من ردات الفعل! ومن أعرض عن هذا كله وجعل مرضاة الله نصب عينيه فإن الله يجعل لكلامه رونقا وقبولا وتأثيرا. وإني أنصح كل من لديه صفحة يكثر التفاعل عليها أن يستعين بأحد المتابعين ليزيل الكلام المؤذي حتى ال يقرأه فيعمل في نفسه ويصده عما هو فيه من خير أو يؤثر في نيته، مع الإبقاء على الاعتراضات العلمية والمناقشات الجادة. أسأل الله أن يرزقني وإياكم صالح القصد وصواب القول والفعل واالشتغال بأمره سبحانه وأن يستعملني وإياكم في طاعته ويجعلنا من أنصاره.
من المفاهيم التي تحتاج تصحيحا اعتبار كثرة الأعداء دليلا على صحة المنهج. فهذه القاعدة ليست على إطلاقها، وإنما مقيدة بنوع الأعداء وسبب العداوة. صحيح أن ورقة بن نوفل قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي). وصحيح أن قسما من الناس أصحاب نفوس مريضة تعادي الحق لأنه يسحب امتيازاتها ويكشف زيفها أو يعارض أهواءها التي هي مستعبدة لها. لكن عندما يكرهني المسلمون أيضا فإن علي أن أتهم نفسي! فإن من الخطورة حينئذ أن أعترب هذه الكراهية (ظاهرة صحية) تدل على أنني على الحق المبين! من الخطورة أن أفترض أنهم ينفرون عني لاستقامتي أو سلامة المنهج الذي أحمله بينما بعضهم ينفر مني لغلظتي وعبوس وجهي، والبعض الآخر لتقصيري في عملي أو لتناقضي في سلوكي ووقوعي في معاص أستهين بها بينما أضخم أخطاء غيري، والبعض الآخر لأني تمسكت من دين الله بجانب وتركت جانب الأخلاق، والبعض الآخر لأني أسأت الظن بالناس أو مل أقدر جوانب الخير فيهم، والبعض الآخر لأني خلطت انتصاري لنفسي بانتصاري للدين، والبعض الآخر لأني لم أعتن بمظهري وحسبت أن ذلك زهد جهلا بالسنة، والبعض الآخر لسوء فهم كان يمكنني أن أشرحه لكن منعني كبري. من الخطورة أن أتغافل عن هذه الأسباب كلها وأضحك على نفسي وأقنعها بأن هؤلاء جميعا إنما ضايقهم النور الذي أحمله! وأنهم إنما يعادونني لاستقامتي! الأصل في حامل الدعوة وصاحب الهم للإسلام أن يكون محبوبا يوده المسلمون. قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم: 96]. وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (البخاري 6040، ومسلم 2637). وفي الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم: (المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس). وفي المقابل قال نبينا صلى الله عليه وسلم منكرا على الإمام الذي كان يطيل في الصالة: "إن منكم منفرين" (البخاري 702، ومسلم 466). صحيح أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا" (صحيح مسلم 14). لكن هذه الغربة حالة مؤقتة لا يستمرئها المسلم، بل يسعى في إصالحها. فقد عرف نبينا صلى الله عليه وسلم الغرباء بأنه: "الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي" (سنن الترمذي 2630). ولم يقل: الذين يتقوقعون ويكرسون الغربة عن الناس بسلوكهم الخاطئ. فإذا مرت الأيام ولم يزدد الناس عنك إلا بعدا وجفوة، فاعلم أن الخلل ليس فيهم فحسب! ليس حامل الدعوة مطالبا أن يجامل على حساب دينه وال يسترضي الناس بكتمان الحق أو الزيغ عنه. لكنه في الوقت ذاته مطالب أن يرتفق بالناس في عرض دعوته ويتخلى عن حظوظ نفسه ليعلم الناس أنه ال ينتصر لنفسه بل لدين الله تعالى. وحينئذ فإذا عاداه شرار الخلق والكفار فإن عامة إخوته من المسلمين سيحبونه ويلتفون حوله وتلهج له ألسنتهم بالدعاء... وال عجب، فهو من الموعودين بأنه: {سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم: 96].
كثيرا ما يتزامن عيد الفطر أو عيد الأضحى مع اضطهاد للمسلمين في بلد من البلدان. فيتساءل بقية المسلمين: (كيف نفرح بالعيد مع هذا)؟ فنقول: افرحوا، بل وأظهروا فرحتكم بالعيد. لأن الله الذي أمرنا أن نهتم لمصاب المسلمين هو سبحانه من شرع لنا أن نفرح بطاعتنا. قال تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} [البقرة: 185]، وقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58]. فالأعياد احتفالات بطاعات وبفضل الله المنتظر عليها، سواء الصوم رمضان أو طاعات العشر من ذي الحجة. أظهروا فرحة العيد إغاظة لمن يريدون أن يفسدوها علينا. فإغاظة الأعداء قربى: {ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} [التوبة: 120]. فهم يريدون أن يرونا في مشقة وحزن: {ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} [آل عمران: 118].. فلا تحققوا مرادهم! أظهروا فرحة العيد تعظيما لشعائر الله. قال ابن تيمية: (الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع).. وقال ابن حجر: (إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين).. وتذكر مع ذلك قول الله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32]. أظهروا فرحة العيد حتى نبث الفرح بالشعائر في نفوس أبنائنا فيحبوا هذا الدين ويعظموه، وال يروا الالتزام به مقترنا بالحزن والكآبة. بل نريد أن نورثهم نفوسا قوة واستبشارا يسهم في رفع الظلم بإذن الله. أظهروا فرحة العيد لتكون دعوة لبقية الأمم إلى الإسلام حني يرون فرحنا بشعائر ديننا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعب الحبشة في المسجد يوم العيد: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني أرسلت بحنيفية سمحة". (أخرجه أحمد 25962). المهم: ألا يكون في الاحتفال بالعيد محرم، بل نتذكر أننا نعبد الله بإظهار فرحتنا، فكيف نعبده بمعصية؟! فنعم، نتألم لإخواننا ونهتم بهم وننصرهم بما استطعنا، ونفرح في الوقت ذاته بالعيد بطرق مشروعة ونغيظ أعداءنا بذلك. كم بسمة رغم الجراح أبنتها ... والخطب ينهش والرزايا تؤلم وأري بصبري من يريد شماتة ... أني - وربي حافظ - لا أهزم
اللهم كن مع إخواننا المستضعفين في كل مكان، وأعنا على نصرتهم، وانتقم من أعدائنا وأعدائهم، وأبرم لهذه الأمة أمر رشد وعز وتمكين، واجعل لنا فيه يدا يا رب العالمين. وكل عام وأنتم ومقدساتنا والمسلمون جميعا بخير، والمجرمون والمنافقون في ذل وصغار ومكرهم في بوار. تقبل الله منا ومنكم.
عندك اولاد؟ من احبهم اليك؟ تذكر معي الان حركاته وبراءته واستقباله لك وتعلقه بك.
ثم، تصور ان هذا الولد، او البنت.... اختطف!
هل سيهدا لك بال؟ هل ستستطيع ممارسة حياتك باريحية دون البحث عنه والسعي في استرداده؟
ام انه سيصبح قضية حياتك؟ تصحو وتنام على التفكير به هكذا عندما يكون الاسلام قضية حياتنا.
لنا مجد اسلامي مختطف... لنا دور ريادة ضائع... لن نكون اوفياء لدين الله حقا حتى تصبح هذه قضيتنا...
حينها، لن يكون عملنا لدين الله (رفعا للعتب) في اوقات الفراغ! كما لن يكون بحثنا عن ابننا المختطف رفعا للعتب، بل سنسعى لاسترداده في كل اتجاه بعمل دؤوب لا كلل فيه ولا ملل، وكلما فترنا وانهكت اجسامنا انقذف فيه الحنين الى الولد فقمنا نشطاء من جديد يحدونا الامل.
لو علمت ان استرداد ولدك يحتاج الى التخطيط فستخطط، يحتاج الى تعلم العلم فستتعلم، يحتاج الى الصبر على الاذى فستصبر... لانه ليس لديك خيار... انه ابنك المختطف!
لو علمت انك ستفني عمرك في الاخذ باسباب استرداده فلن تبخل، حتى ولو علمت انك لن تراه الا لحظة قبل وفاتك... المهم الا يبقى مختطفا.
لن يهدئ بالك، ولن يسعدك، ولن يجعلك تستطيع وضع راسك على الوسادة في اي يوم الا احساسك انك استنفدت وسعك في التقدم خطوة نحو استرداده...
هكذا صاحب القضية... وفرق بين النائحة الثكلى والنائحة المستاجرة.
فاللهم اجعل الاسلام قضية حياتنا.
عندما يقذف الله في قلبك الانتباه واليقظة من الغفلة، تصبح بعدها صاحب هم وقضية، من الذين وصفهم ابن الجوزي بقوله: (ان من الصفوة اقواما منذ استيقظوا ما ناموا ومنذ قاموا ما وقفوا، فهم في صعود وترق، كلما قطعوا شوطا نظروا، فراوا قصور ما كانوا فيه فاستغفروا). قد تكون لحظة واحدة تجعل دين الله في بؤرة تركيزك.
فرق بين ان تظن نفسك ملك لنفسك وفي المقابل ان تدرك انك ملك لخالقك، ومع هذا فقد اشترى منك ما يملكه: "ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة" [التوبة: 111].
فرق بين ان تحس انك سيد يتفضل بالطاعة وقتما شاء، وان تحس بانك عند ترك الطاعة عبد ابق من سيده...
فرق بين ان تحجم الاسلام في كيانك وبين ان تخضع له...
فرق بين ان تاخذ منه بقدر ما تريد، وبين ان تهبه نفسك بقدر ما يتطلب منك...
بين ان تسمح له بالتمدد في حياتك بقدر ما تشاء وبين ان تكون زيتا يمد شعلته بالبقاء.
فرق بين ان تكون الحالة المبدئية لديك انك لست مطالبا بشيء اكثر من (الفروض) فما كان زيادة على ذلك فهو منة! وبين ان تكون الحالة المبدئية انك لله تعالى، فايما وقت صرفته في غير مهمتك احسست انك تختلسه وتسرقه لا حق لك فيه.
"قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" [الانعام: 162].
فرق بين التعامل مع نصرة الدين على انها القضية الكبرى في الحياة، وبين التعامل معها ككمالية من الكماليات! انه الفرق الذي ستدركه عندما يقذف الله في قلبك اليقظة.
لحظة اليقظة على سبب الوجود: يا سعادة من ادركها في الحياة ويا حسرة من لم يدركها الا بعد فوات الاوان: "لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" [ق: 22].
تسالني ان كنت استطيع ان اعيش من دون الدعوة الى الله؟
ببساطة: الدعوة حولتني من انسان الى انسان:
وبعد ذلك تسالني ان كنت استطيع العيش بدون الدعوة؟ حياة بلا دعوة.. هي حياة بلا حياة!
يظهر وانا اتكلم عن المراة المسلمة في سلسلة (المراة) اني (انفش راسها) (اكبر من قيمتها).. فتاتي تعليقات البعض معترضة على ذلك، وخلاصتها: (لا تنفش راسها).
فاقول: بلى، اريد ان انفش راس المراة المسلمة وانفش راس الرجل المسلم والطفل المسلم والطفلة المسلمة.. وان افعل هذا كله بالحق.
اريد ان اشعر المسلمين جميعا بعظم قيمتهم كمسلمين، وبالفرق الهائل بينهم وبين سائر البشر..
ثم بعد ذلك نتكلم عن حقوقنا وواجباتنا تجاه بعضنا...
لكن في البداية، يجب ان نعيد لملمة كياناتنا المبعثرة.. وان نبث في المسلم والمسلمة تقدير الذات والاعتزاز بالهوية الاسلامية والنظرة الايجابية الى انفسهم..
خاصة في هذا الزمان الذي يعمل فيه الاعلام على اشعار المسلمين برخص دمائهم وهوانهم حتى هنّا نحن انفسنا على بعضنا الا من رحم ربي..
في هذا الزمان الذي يبث فيه بعض المتصدرين من صفوف المسلمين عقدة النقص واحتقار الذات والانبهار بالامم الغالبة، ويميعون الحد الفاصل بين الاسلام والكفر تحت عنوان (التسامح واحترام الاخرين)، والنتيجة ان يحس المسلم ان توحيده واسلامه لا شيء ولا يعطيه مزية في الدنيا ولا في الاخرة!
وحتى الخطاب الوعظي غير الواعي كثيرا ما يكمل عملية التحطيم بالاكثار من اللوم والتقريع دون التعزيز والتشجيع!!
من اعظم ما اتقرب به الى الله تعالى ان اذكر المسلم بانه مهم، عظيم القدر عند الله بايمانه، وان الله كرم متعلقاته، فجعل دمه وعرضه وماله حراما كحرمة اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام.. لانه مهم...
اذكر المسلمة بان الله صب غضبه على الذي ينتقص من عرضها: "ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون ان الله هو الحق المبين" [النور: 23 - 25]. ايات مرعبات لمن يمس شرفها لانها مهمة..
اذكر المسلمين ان عرش الرحمن اهتز لموت مسلم (سعد بن معاذ)، وان دمعة منك عظيمة القدر في ميزان الله ايها المسلم تنجيك من النار بينما الارض وما فيها لا تنجي الكافر..
نعم، اريد ان انفش رؤوس المسلمين جميعا، فالرؤية التي نضعها نصب اعيننا واعينهم رؤية عظيمة: الاستخلاف في الارض وريادة الامم في كل المجالات، ودعوة الناس لينعموا معنا بدين الله، واستنقاذ البشرية من الضلال والعبودية للمجرمين الى سعة الدنيا والاخرة.
مهمة عظيمة تحتاج نفوسا عظيمة تقدر ذاتها وتحس بكرامتها على الله، غير متاثرة بهوانها على الكافرين ولا على المنافقين والمنهزمين.. "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" [المنافقون: 8].
من مكائد الشيطان ان ياتيك فيقول لك: انت اقل من ان تمارس الدعوة الى الله. ادع نفسك اولا، والا فان دعوت غيرك على ما بك من معاص فانت منافق.
الحق انك ما دمت تنتسب الى امة محمد صلى الله عليه وسلم فانت مطالب بالدعوة: "كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" [آل عمران: 110].
مع ان الله تعالى يعلم ان هذه الامة سيكون فيها الظالم لنفسه: "ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله" [فاطر: 32]. لكنها جميعا مطالبة بالدعوة. بل المفرط احوج الى ان يمارس الدعوة من غيره: "ان الحسنات يذهبن السيئات" [هود: 114]. المهم ان تكون صادقا مع نفسك، مخلصا في نيتك، تدعو الى شيء تعلمه لا عن جهل. وحينئذ فهذا ادعى الى ان تتخلص من معاصيك وتفريطك باذن الله لتحس بالانسجام مع ذاتك ولتعيش لذة احترام نفسك، وادعى الى ان يعينك الله تعالى ببركة دعوتك التي دعوتها ابتغاء وجهه الكريم.
قد كان لدي شخصيا نقائص... رايتني بعدما تصدرت للدعوة اتخلص من بعضها بفضل الله تعالى. يوم كنت في الظل لا اؤثر كان الاشتغال بالصغائر (مناسبا) للنفس الصغيرة. فلما شاء الله ان نسلك طريق الدعوة راينا صغائرنا هذه جواذب واغلالا تلصق بالطين وتمنع من التحليق، فسهل بفضل الله تركها. ولا زال في النفس نقص نسال الله ان يجبره ويجبر نقص المسلمين.
اخي، اختي، لا تقع في فخ الشيطان، لا تتواضع تواضعا سلبيا وتقول: (ليس لمثلي ان يدعو غيره). فان هذا يعني اكمال النقص بنقص اخر! بل تقرب الى الله بالدعوة ليعينك على جبر النقص.
اظهار اعتزازك بالاسلام من اوجب الواجبات في هذا الزمان. حتى لو كنت مقصرا، وحتى لو كنت مقصرة ومتبرجة. نعم... فالحرب على الاسلام تتطلب من جميع ابنائه وبناته ان يتصدوا لها، مهما كان لديهم من ذنوب ومعاص..
النظام الدولي واذنابه في بلاد المسلمين يسعون كل يوم جديد ليطمسوا معلما من معالم الاسلام، ويحاربوا شعيرة، ويهجموا مقدسا، ويفرضوا قانونا، ويشوهوا صفحات المناهج، وهدفهم واضح: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا" [البقرة: 217].
ما الذي يجعلهم يسرعون في سلخ الناس عن دينهم او يبطئون ويترددون؟ ما يرونه من بقية حياة... فان وجدوا حرارة ايمان كفوا شيئا من شرهم، واذا راوا اعصابا باردة وقلوبا ميتة استمروا.
امام هذه الهجمة، الكل مطالب بالتصدي... حتى اصحاب اكبر الكبائر ممن لا زال على الاسلام، نتناصح معهم داخليا كمسلمين، وقد نشتد على بعضنا في النصح كما تفرك احدى اليدين الاخرى لتغسلا وسخهما، لكننا جبهة واحدة امام اعدائنا.
اظهروا اسلامكم، اظهروا اعتزازكم به وتعظيمكم ومحبتكم له واستعدادكم للتضحية في سبيله...
انت استاذ في مدرسة؟ دكتور في جامعة؟ مدير في شركة؟ ابدا حصصك/محاضراتك/اجتماعاتك باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، صل وادع من حولك من تلاميذك/زملائك ان يصلوا معك، اظهر غضبك اذا استهزئ امامك بالدين او انتهكت محارمه، مهما كنت مقصرا ومذنبا، فانت بذلك لا ترائي ولا تخادع وانما تؤدي شيئا من واجبك في اظهار دينك وان قصرت في جوانب اخرى...
انت طالب/طالبة؟ اظهر شعائر الدين حتى وان كنت مقصرا/ شارب خمر/ عاق والدين/ متبرجة... كل هذا وتظهر شعائر الدين؟!
نعم، قد تقول: لكن الذي يعتز بدينه ويعظمه لا يعمل هذه المعاصي التي تذكرها...
بلى! يجتمع في الشخص الواحد الخير والشر والصلاح والفساد... "ولكل درجات مما عملوا" [الانعام: 132]... انت تظهر الدين لا لتقنع نفسك انك قمت بما عليك وتعفي نفسك من ترك الذنوب، بل تكون قد اسات في جانب واصلحت في جانب، فترجو بذلك ان يتداركك الله برحمته ويعينك على اصلاح نفسك، وان تكون من اهل قوله تعالى: "وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم" [التوبة: 102]... ولا تلتفت لاستهزاء المستهزئين ولا لقول القائلين: (صرت شيخ/شيخة؟!)... بل تمسك وبث روح العزة وانظر كيف سترتفع بها الهمم باذن الله.
شرع الله لنا رفع الاذان وتكبيرات العيد والفرح بالاعياد لاظهار الدين ولعلمه سبحانه ان هذا مما يرفع الهمم ويبث العزة ويثبت على الايمان. واعداء الاسلام يريدون لنا ان نعيش منفيين في اراضينا ونعيش غرباء في بلادنا... فلا تطيعوهم واعلموا انكم انتم بطاعة الله الاصيلون وهم المتطفلون... "ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" [الاعراف: 128]. فاظهروا دينكم.
اخ حبيب، طبيب ذو عقلية فذة، نال بعد الطب شهادات عليا من جامعات اجنبية في تخصصات نادرة محليا، وعرضت عليه فرص عمل في دول عربية واجنبية بدخل مرتفع، لكنه بقي بجوار والديه في تلبية لطلبهما، وتوجه الى القطاعات الصحية التي يستطيع من خلالها خدمة عموم الناس. بشرني مرة بانه تمت ترقيته بما يمكنه من خدمة عدد اكبر من اهل البلد. فهناته وسالته: (هل راتبك يتجاوز المبلغ الفلاني؟) لارى ان كان جهده مقدرا بعض الشيء على الاقل، لاني اعلم ان الرواتب ضعيفة، فرد علي بهذه الرسالة المؤثرة: (لا اظنه يتجاوز. هنا مقام شكر الله.. ثم شكر ابي. ابي شريك لي في كل هذا.. كان يوصيني: انظر مصلحة امتك وبلدك واهلك اين، وانا اكفيك.. نحن في مقام التضحية دكتور.. تضحية في سياق مختلف.. نسال الله القبول والمعونة.. دعواتك).
ما اعظمه من مفهوم!: التضحية بمناصب ودخل عال خدمة للامة... تضحية في سياق مختلف لا تخطر ببالنا! وما اجمله من اب يسد هذا الثغر بتفريغ ابنه لخدمة امته... دفعني لاقول لصديقي: قبل عني يد ابيك.. درس لنا جميعا... وحسب صديقي ووالده ان لهما ربا كريما مطلعا على تضحيتهما لا يضيع اجر من احسن عملا.
في كل مرحلة عمرية اعذار لترك الالتفات الى امر الاخرة وتعلم الدين ونصرته:
ترى، متى التفكير بالاخرة؟ متى تعلم ديننا ونصرته وخدمته؟ متى بناء ثقافة منهجية؟ متى الدعوة الى الله على بصيرة؟
(طيب، وسعيي ودراستي وزواجي ورعاية اولادي... اليس هذا كله مما يحبه الله؟)
بلى، اذا كنت في هذا كله مستحضرا الهدف الاعظم من رضا الله ورفعة الدين، بحيث تكون اعمالك هذه كلها منضبطة بهدى الله تعالى ومسخرة لهذا الهدف، مع توازن واعطاء كل ذي حق حقه، وهذا هو الامر الذي لا يتحمل التاجيل ولا ينبغي الانشغال عنه بالاعذار في اي مرحلة عمرية.
تصور معي امة من الناس حبست في قلعة ضخمة لها باب... للباب مفتاح... المفتاح في حفرة من عشر حفر في جدار القلعة... طيب لماذا لا يستخرجونه؟ ساخبرك: الحفر التسعة الاخرى في كل منها عقرب يلدغ لدغة مميتة! وهم يعلمون ذلك.. فالكل خائف من التجربة.
قام الاول فمد يده في الحفرة الاولى بقوة وشجاعة... لدغه عقرب... فوقع ميتا!
قام الثاني واستفاد من تجربة الاول: ان المفتاح ليس في الحفرة الاولى... وضع على يده قماشة ومدها في الحفرة الثانية... لم تحم القماشة من لدغة العقرب... فوقع ميتا!
قام الثالث... ثم الرابع... ثم الخامس... كل منهم يحاول حماية يده من لدغة العقرب بما تيسر من الاسباب المتاحة، لكنه مع ذلك يلدغ... وفي كل هذا عموم الناس يتفرجون على من يسقط ميتا... منهم من يسخر، ومنهم من يصف المحاولين بالغباء والتهور، ومنهم من يغبط نفسه انه نجا اذ لم يحاول! ومنهم من يترحم عليهم..
في النهاية، بعد تسعة قتلى، مد العاشر يده واستخرج المفتاح من الحفرة العاشرة، وفتح القلعة وسط تصفيق الناس واعجابهم به!
فعليا، من صنع هذا النصر؟ هل هو العاشر وحده كما توهم كثيرون؟ ام ان التسعة الاولين لهم من النصر نصيب اعظم من نصيبه؟ الم يكن الاول الذي اختار من بين عشر حفر اعظم (انجازا) من الذي اختار في النهايات بين حفرتين او ثلاثة؟ وهذا بدوره اعظم انجازا من الذي مد يده الى الحفرة الاخيرة المتبقية؟
امتنا في حبسها الكبير... الفاشل حقيقة هو الذي لا يحاول حتى لا يلدغ، ويفضل ان يبقى هو وامته في السجن! وطالع المجد التي تحاول - على بصيرة وحسن اتباع - ناجحة بكل المقاييس، ومشاركة في النصر الذي سيظهر ولو بعد حين.
لكن بشرطين:
لا مكان للياس مع الايمان.
اصبحت يوما على رسالة من احد الشباب يقول فيها: (ممكن تتكلم في فيديو للشباب عن تضيع الوقت في الافلام والمسلسلات الاجنبية بالساعات؟ وهذا غير البوبجي. انا اغلب اصحابي بالنسبة لهم الافلام جزء ثابت من يومهم. وهم بيتفاخروا بعدد الافلام والمسلسلات اللي بيسمعوها! واحد زميلي في الدراسة بيقول في اخر اسبوع تقريبا خلص مسلسل 300 حلقة!! الثاني مبيطلعش من البيت الا وهو محمل له كام فيلم يتسلى بيهم في المواصلات عقبال ما يوصل الجامعة! والمصيبة الاكبر في اللي بيحمل ويوزع عليهم وبيبقى فرحان انه منزل افلام وسلاسل جديدة. الواحد بيشوف المناظر دي قلبه بيوجعه والله! ده حتى بالصدفة اخر صديق ملتزم الى حد ما قاعد بيسمع جنبي فيلم في المواصلات فبصيت بالصدفة لقيت الفيلم قلب على مشهد اباحي! ولا حول ولا قوة الا بالله) انتهت رسالة الاخ.
طيب.... انا اعلم ان عددا من الشباب الذين تنطبق عليهم هذه الاوصاف يسمعني. فاحب ان اوجه لهم رسالة بالفعل: شوفوا يا شباب... سابدا لكم بكلام احن الناس عليكم: رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في الحديث الصحيح: "ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله فيه ويصلون على النبي الا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وان دخلوا الجنة للثواب". [اخرجه ابو داود 4856].
تصور! ممكن نجلس نتكلم ربع ساعة/ نصف ساعة في كالم مباح... انواع السيارات، غلاء الاسعار.. اي شيء.. لكن في قلبنا غفلة عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الجلسة.
يوم القيامة، لما تفرد سجلات الاعمال ونرى تفاوت مراتب الناس، ونرى انه: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" [الزلزلة: 7 - 8]. حينئذ ستتحسر على هذه الربع ساعة التي لم تذكر الله وتصلي على رسوله فيها... مع انك لم تعمل فيها منكرا.
لذلك سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم اشفاقا علينا سن لنا ان نقول في نهاية مجالسنا: (سبحانك اللهم وبحمدك. اشهد ان لا اله الا انت. استغفرك واتوب اليك). بحيث لا تخلو مجالسنا من ذكر الله.
تصور لما تمضي ساعات، مش في شيء مباح دون ذكر الله، بل في شيء حرام، تنظر الى المسلسلات المليئة بما يغضب الله تعالى. مش خايف على نفسك من الحسرة والندامة في يوم قال الله فيه: "وانذرهم يوم الحسرة اذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون * انا نحن نرث الارض ومن عليها والينا يرجعون" [مريم: 39 - 40].
شوف الاسم: يوم الحسرة...
ايضا من اسماء يوم القيامة: يوم التغابن: "يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن" [التغابن: 9]... وهذه اية من سورة كاملة بهذا الاسم. ماذا يعني التغابن؟ يعني يظهر للناس انهم مغبونون. المغبون هو الذي يدفع الكثير فيحصل على القليل. دفعت عشرة الاف في سيارة بتسوى خمسة الاف... نقول: انت غبنت فيها.
كذلك يوم القيامة، سرتى انك دفعت عمرك الذي كان يمكن ان تشتري به منزلة عالية في الجنة، لكنك مل تحصل الجنة اصلا، او حصلت فيها منزلة ادنى. وفي الحديث الصحيح يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض، والفردوس اعلى الجنة، واوسطها، وفوق ذلك عرش الرحمن، ومنها تفجر انهار الجنة، فإذا سالتم الله فسلوه الفردوس" [اخرجه الترمذي 2530].
اعرف احد الدعاة من مصر تاخرت هدايته حتى بلغ اواخر العشرين من عمره، وهو حاصل على الدكتوراه من كلية الزراعة بجامعة الازهر. جاء الشيخ مقبل الوادعي من علماء الحديث الى مرص. فهذا الدكتور صار ينتقل مع الشيخ مقبل بين المساجد ليسمع دروسه. بعد احد الدروس جاء للشيخ مقبل سؤال: (فضيلة الشيخ، ما حكم مشاهدة مباريات كرة القدم؟).
فقال الشيخ: روى البخاري..
صاحبنا يقول: (انا قلت في نفسي: الله! هو البخاري روى حديثا حتى عن مشاهدة كرة القدم؟!). تابع الشيخ: روى البخاري عن عبد الله بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". [صحيح البخاري 6412].
قال الدكتور: (انا لما سمعت بركت على ركبتي ابكي!). صحتك، فراغك... اذا كنت تدفعهما مقابل لا شيء، فانت مغبون.
في الحديث الذي صححه الالباني بمجموع طرقه ان نبينا صلى الله عليه وسلم قال عن رجل في قبره: "ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله احب اليه من بقية دنياكم".
يعني الواحد فينا لما يموت تنكشف له الحقائق. فلو رد الى الحياة من جديد وقيل له: ما رايك؟ تصلي ركعتين؟ ركعتين خفيفتين (مما تحقرون وتنفلون)... يعني انت يمكن دخلت المسجد، نظرت الى الساعة، بعد ثلاث دقائق تقام الصلاة.. تقول في نفسك: (اصلي تحية المسجد؟ والا مفيش وقت؟ خلص خليني اصلي ركعتين خفيفتين)... وانت تستقل اجر هاتين الركعتين.
لو اعطيت فرصة الحياة بعد الموت وخيرت بين هاتين الركعتين، او ان تعيش في الدنيا طويلا بعرض تستمتع بها. فلا طبعا! ستختار الركعتين. لماذا؟! لانك سترى بعد الموت ان الدنيا فانية، متعتها زائلة، بينما الركعتان تنفعانك "يوم لا ينفع مال ولا بنون * الا من اتى الله بقلب سليم" [الشعراء: 88 - 89]، فتسهلان عليك الوقوف في يوم القيامة الذي مقداره خمسون الف سنة كما في صحيح مسلم.
الركعتان قد تثقلان ميزانك فتدخلانك جنة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: "ولقاب قوس احدكم - او موضع قدم - من الجنة، خير من الدنيا وما فيها".
طيب انظر في شوية... مش كلكم... انت وانت وانت... بعضكم... قرات عينيك! تقول في نفسك: (اصلا انا هذه الايات والاحاديث بصراحة انا مش متاكد انها صحيحة. ايش عرفني انه رسول الله حقا؟ ايش عرفني ان الاحاديث حفظت؟ ايش عرفني ان القرآن من عند الله؟ مش يمكن كالم بعض اليوتيوبرز المشككين صحيح والاسلام اختراع بشري و..و..).
ايواااه.... شوف كيف حضرتك تضيع عمرك ثم تدلي اذنيك لهؤلاء الممولين من اعدائنا ليفتنوك عن دينك!.. لم تبذل جهدا ولم تمض وقتا في دراسة دينك، ولا في تعلم التفكير الناقد حتى لا تنخدع بهؤلاء، ثم عرضت نفسك لفتن الشهوات، فاجتمعت عليك الشبهات والشهوات!
اذكرك بآيات عظيمة مخيفة في سورة الحديد... "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم" [الحديد: 12]. شوف هذا المشهد الجميل! الرسول عليه الصلاة والسلام ومعه المؤمنون يدخلون الجنة يحفهم النور.
لكن في المقابل هناك اناس حالهم مختلف تماما!: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم" [الحديد: 13]. يا جماعة الدنيا عمال بتظلم حوالينا امشوا شوي شوي علشان نستطيع نستفيد من نوركم.
"قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" [الحديد: 13]. لا، معلش! كل واحد بياخذ نوره من اعماله، نحن اكتسبنا نورا من مشينا الى المساجد في الظلمات.. اكتسبنا نورا من قراءة القرآن وتعلم ديننا وغض ابصارنا واسماعنا عما يغضب ربنا.
ثم تاتي اللحظة الحاسمة المخيفة: "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" [الحديد: 13]. من جهة المؤمنين الرحمة، ومن جهة المنافقين العذاب.
"ينادونهم الم نكن معكم" [الحديد: 14] ينادي الذين وراء السور المؤمنين: الم نكن معكم في الدنيا؟ فيرد عليهم المؤمنون.. "قالوا بلى ولكنكم فتنتم انفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى جاء امر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا" [الحديد: 14 - 15].
اول وصف دمر هؤالء: "فتنتم انفسكم"... عرضتموها للفتنة... نظر الى الحرام وسماع للحرام، وانت تعلم قول الله تعالى: "ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا" [الإسراء: 36].
لطخت مرآة قلبك التي خلقها الله صافية فاصبحت ترى الحق باطلا والباطل حقا، فدخل النفاق الى القلب.
"ولكنكم فتنتم انفسكم وتربصتم وارتبتم". شككتم في الدين.
"وغرتكم الاماني". اتبعتم انفسكم هواها وتمنيتم على الله الاماني وقلتم (الله غفور رحيم)، كما قال تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ياخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا" [الاعراف: 169].
الله غفور رحيم ولكنه ايضا قال: "اعلموا ان الله شديد العقاب وان الله غفور رحيم" [المائدة: 98].
فلما تعرض نفسك للفتن ثم يقسو قلبك وتبدا تستثقل قراءة القرآن وتكره بعض احكام الاسلام ووحب المعاصي، فتذكر انك انت الذي فعلت ذلك بنفسك: (ولكنكم فتنتم انفسكم).
في الحديث القدسي العظيم الذي رواه مسلم يقول رب العزة عز وجل: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [صحيح مسلم 2577].
انا يا شباب لا اريد لكم ان تندموا... اضعت من عمري الكثير في صغري ثم ندمت، وذقت مرارة الندم. فلا اريد لكم ان تذوقوها.
عودا الى رسالة الشاب: يقول ان بعض الشباب يفاخر بالافلام التي يحضرها. اذكر من يفعل ذلك بالحديث الذي رواه البخاري ان نبينا صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" [صحيح البخاري 6069].
قد يقول قائل: (ليش هو يعني انا ماذا فعلت حتى استر على نفسي؟! ايش اللي عملته لما اشاهد هذه الافلام؟).
ايواااه! اذا مل تعد ترى متابعة الافلام ورؤية العورات والتعلق بالفساق وتحريك عاطفتك بما يسخط الله... اذا مل تعد ترى هذا منكرا تستحي منه فهذا علامة موت القلب! اذا مل تعد تستحي من ذلك فاعلم ان الايمان يرفع منك. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "الحياء والإيمان قرناء جميعا. فإذا رفع أحدهما رفع الآخر". [اخرجه الحاكم 58].
انت تجادل في كونها منكرا وإثما عظيما؟ طيب، تصور لو النبي صلى الله عليه وسلم جالس بجنبك وانت ماسك الموبايل وانت تنظر الى هذا الفيلم. بالله عليك هل سترى انه ليس فيها اي حاجة والامور عادية تماما؟! هل ستجادل النبي صلى الله عليه وسلم ان هذا حرام ومنكر؟ فالله احق ان تستحي منه.
هل انت مستعد قبل ان تنظر الى هذه الافلام والمسلسلات ان تقول (بسم الله)؟ يا حسرة والله اذا كنا مضطرين نجادل في هذه الامور. فهذا علامة موت القلب! فروح اسعف قلبك.
يقول الاخ ايضا في رسالته ان بعض الشباب يحمل الافلام ليتفرج عليها في الطريق، وكانه نوع من استغلال الوقت!
اقول لك شيئا يا اخي: هذه النصف ساعة والساعة في الطريق... هذه تبني شخصيتك. انا بالنسبة لي بفضل الله تعالى تعلمت وكثيرا من العلوم الشرعية والتاريخ والرقائق وكثيرا مما ينفعني في ديني ودنياي، تعلمته في المواصلات وتعلمته وانا اسوق السيارة.
كثير من الاخوة يسالني: يا اخي كيف جمعت بين بعض العلم الشرعي والعلم في الصيدلة والانشطة الدعوية كالتحضير للحلقات؟
المسالة ليست عقدة يا جماعة... انا في صغري اضعت الكثير من الوقت. لكن لما الواحد صحي والحمد لله صرت احرص على استغلال وقتي بحيث لا تمر ساعة الا فيام ينفع؛ مش شرط قراءة ودعوة... بل حتى لما العب مع اولادي او اخرج في نزهة مع عائلتي احتسب الاجر في ذلك، وال اضيع وقتي فيام ال يرضي الله عز وجل.
الاخ صاحب الرسالة يقول ان هناك من الشباب من يوزع على اصحابه اخر الافلام.
يعني يا صديقي هل حضرتك حريص ان تكون هذه صدقة جارية لك بعد مماتك؟! اذكرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا". [رواه مسلم 2674].
هل انت مستعد ان تلقى الله عز وجل بجبال من السيئات من اثر هؤلاء الذين دللتهم على الشر؟ يا جماعة "فمن يعمل مثقال ذرة شرا يره" [الزلزلة: 8].. ذرة، ذرة! فما بالك عندما تكون سببا في ان ينظر اصحابك الى الحرام والمنكرات التي تقسي القلب وتحبب اليهم الكفر والفسوق والعصيان وتجعلهم في غفلة عن ذكر الرحمن؟!
قال ابن القيم: (للعبد رب هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه، فينبغي له ان يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه).
وتذكروا ختاما اخواني: "ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله فيه ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم الا كان عليهم حسرة يوم القيامة وان دخلوا الجنة للثواب".
اللهم يا ارحم الراحمين يا رب العالمين اهد شباب المسلمين واجمعنا بهم في ظل عرشك يوم ال ظل الا ظلك، وال تجعلنا نندم يوم الحسرة، وال تجعلنا مغبونين في صحتنا وال في شبابنا وال في اوقاتنا انك انت الرحيم الكريم الجواد العظيم.
أحبتي الكرام، المتابع معنا رأى التجاوب الرائع من الشباب مع الكلمة التي نصحنا فيها باستغلال الأوقات وترك متابعة المسلسلات. كثير منكم يا شباب عاهد الله أن يترك متابعة ما يغضبه.. بعضكم قال أنه مسح من جهازه مئات الجيجابايتس من الأفلام التي كان جمعها ليحضرها، بعضكم شطب نيتفليكس من جهازه. فالله يسعدكم ويبارك فيكم. وهذا عظيم وجميل. ورقة القلوب هذه مبشرة بخير قادم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بإذن الله.
كلمتي هذه هي لتثبيتكم حتى لا تضعفوا من جديد. أيضا، كثير منكم قال: (أنا سأحاول أن أتوقف عن متابعة الحرام).... كلمة (سأحاول) هذه كثيرا ما تعني: (سأجرب أن أطيع الله)! لأنك لما تقول: (سأحاول ما استطعت).. طيب أنت تعلم أنه "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" [البقرة: 286]. فإذا استعنت بالله ستستطيع. لكن دعني أساعدك على قراءة نفسك قليلا: (سأحاول) قد تعني (سأجرب)، يعني إذا لم أحس بالملل والكآبة والجفاف بعد ترك المسلسلات والإنمي وإضاعة الساعات في الألعاب فسأستمر في طاعة الله.. إذا أحسست بالحياة الطيبة التي تتكلمون عنها بعد طاعة الله فسأستمر. وإذا مللت أو جفت حياتي فسأضطر أن أعود إليها. ولأجلكم أيضا يا من تفكرون بهذه الطريقة أنشر هذه الكلمة. فكلمتي هذه هي لتثبيت من أقبل ولتشجيع المتردد.
شوفوا يا شباب... ما تحتاجونه هو شيئان: إحراق السفن والتعلق بمحبوب.
ماذا يعني هذا؟
أولا: بالنسبة لإحراق السفن: قيل أنه لما طارق بن زياد غزا الأندلس أحرق السفن التي جاء بها هو وجنده وقال لجنده: (العدو من أمامكم والبحر من ورائكم).. يعني لا تفكروا بالهروب. لا يوجد خياران: محاربة العدو أو الفرار... إذ إنه لا توجد سفن.. فالفرار يعني الغرق في البحر. فجاهدوا العدو فهذا خير لكم. الآن جزئية أن طارقا بن زياد أغرق السفن الظاهر أنها لا تصح تاريخيا. لكن ذكرناها لنقول لك: مع الله أحرق سفنك.
احرق سفنك. اذا كنت تريد ان يعوضك الله عما تركته لوجهه من حرام ويجعل حياتك طيبة فلا تفكر في خيار الرجوع. لا تحفظ خط الرجعة. في المثل الاجنبي يقولون: (don't break the bridges).... لا تكسر الجسور، يعني احفظ خط الرجعة... اما مع الله فلا... عندما تقبل عليه كسر الجسور التي يمكن ان تعيدك لمعصيته.
كنت متعلقا بالموسيقى... ولا اريد هنا ان افصل في حكم الموسيقى.. ولا شك ان الموسيقى لا تقارن بالافلام والمسلسلات التي هي باكج كامل من المحرمات ومفسدات القلب.
لكن محل الشاهد ببساطة هو انني اقتنعت ان علي ترك الموسيقى لوجه الله، وانها تكبلني في طريقي الى الله. وكان الناس يومها يستعملون الاشرطة.. فاتذكر لما امسكت شريطا عندي به اكثر مقطع موسيقي احببته، فكسرته بيدي، كاعلان عن حرق السفن... اعلان عن breaking the bridges التي تعيدني لشيء اقتنعت بحرمته. ووالله لقد ابدلني الله خيرا منها.
لذلك احيي الشباب الذين قالوا لي: (حذفت/الغيت/شطبت الافلام وقنواتها). سلم الله ايديكم واكرمكم.
لما انزل الله: "يا ايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" [المائدة: 90]... ماذا فعل الصحابة؟ كسروا قلال الخمر فسالت في الطرقات... الاسلام ينهى عن اضاعة المال عموما. لكن هذا الكسر كان كانه اعلان كسر للتعلق بالخمر واخراج له من قلوب الصحابة.
الاسلام يعني الاستسلام لله... يعني مفيش حاجة اسمها تحفظ خط الرجعة. مفيش شيء اسمه رجل قدام ورجل ورا! بل اقبال على الله بلا نظر الى الخلف، وانت كلك يقين بانه سبحانه لن يضيعك، لانك موقن برحمته وحكمته سبحانه... "وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون" [السجدة: 24].
القصة التي نعرفها من صغرنا... عجيبة لكن صحيحة، فهي في حديث اخرجه البخاري ومسلم. الذي قتل تسعة وتسعين نفسا... جاء الى راهب فقال: (هل لي من توبة؟) قتلت تسعة وتسعين نفسا! قال: لا... ليس لك توبة.
ليس لي توبة؟! اذا (خربانة خربانة!).... قتل الراهب... فكمل به المئة!
الرجل شاعر في داخله ان الله ارحم من ان يصده ولا يقبل توبته... لكن لا يعرف ماذا يفعل... سأل عن اعلم اهل الارض فدل على عالم: (هل لي من توبة؟).
(نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق الى ارض كذا وكذا فان بها اناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم. ولا ترجع الى ارضك فانها ارض سوء)..
تعرفون الحديث كيف انه خرج فمات في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. الله عز وجل غير في جغرافيا تلك الارض ليصبح الرجل اقرب لارض الصالحين وليدخله في رحمته.
محل الشاهد: هذا الرجل... هل خرج الى ارض الصالحين في رحلة استكشافية ليرى ان كانت تعجبه؟ ابدا... بل هو خرج مضحيا ببيته وصحبته وماضيه، عازما فيما يظهر على التزام امر العالم: (ولا ترجع الى ارضك فانها ارض سوء). لن يرجع الى المعصية. رجل احرق سفنه واقبل على الله بصدق. ما فعل هذا الا وهو يوقن بالله وبرحمته وبانه لن يضيعه.. فغفر الله له مع انه قتل مئة نفس.
لما تتقرب الى الله بهذه النية الصادقة ماذا يحصل؟ ياتيك الجواب في الحديث القدسي العظيم الذي رواه البخاري ومسلم. يقول الرحمن عز وجل: "ومن تقرب الي شبرا، تقربت اليه ذراعا". ومن "تقرب الي شبرا"... على سبيل التجربة؟ يريد ان يجرب العلاقة مع الله وحافظ خط الرجعة في حال لم تعجبه؟ لا طبعا... من تقرب الي بصدق... "ومن تقرب الي شبرا، تقربت اليه ذراعا، ومن تقرب الي ذراعا، تقربت اليه باعا، واذا اقبل الي يمشي، اقبلت اليه اهرول" (صحيح مسلم 2675).
يا اخي ما هذا الجمال؟! ايش هذا الجمال في ديننا؟! ما هذه الرحمة والكرم والود الالهي؟! بالله عليك ربك بعد هذا تجرب طاعته تجريبا؟! ام ترتمي على ابواب رحمته ثقة وتسليما وحبا وتعظيما؟ شاعر بصعوبة قطع الصلة بالحرام؟ تذكر قول ربك عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه مسلم: "يا عبادي كلكم ضال الا من هديته فاستهدوني اهدكم". ربك الذي يقبل عليك ويأمرك بطاعته يقول لك: استعن بي. "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" [الطلاق: 3]. من اعلى مقامات التوكل ان تتوكل على الله في اعانتك على التزام طاعته.
فاذا قلت في نفسك: سـ (اجرب) طاعة الله وترك معصيته.... فاسمح لي ان اقول لك: (ستفشل التجربة! والسبب معروف من جملتك! فالله تعالى يوقن به، ولا يجرب). لن تذوق حلاوة الايمان ان كنت تريد ان (تجرب) الاستقامة فترة، فتطرد المعاصي من قلبك لكنك تقول لها: (ابقي قريبة، فقد احتاج اليك من جديد اذا جفت حياتي ولم احصل ما ارجوه من راحة في العلاقة بالله)! ثم تعطي الدين فرصة، وتجلس تنتظر منه الفتوحات والتجليات والنفحات... حتى اذا لم يحصل من ذلك شيء عذرت نفسك وقلت: (جربت التدين ولم يحقق لي السعادة)! لا! الاقبال على الله لا تجريب فيه.
اذا هذه اول تذكرة للذين قالوا (سنترك الحرام) حتى يستمروا، وللذين يترددون حتى يقبلوا: احراق السفن بثقة وايمان وتسليم لمن انت مقبل عليه سبحانه، وطرد المعاصي من حياتك، والتعامل مع هجماتها عليك كلصوص فتستعين بالله عليها.
قد يكون هذا اكثر زمن بيدنا ان نعمل فيه اعمالا مؤثرة في حياة امتنا تثقل موازيننا عند ربنا. كيف؟ الهزيمة النفسية تترسب للقلوب عند قطاع عريض من المسلمين، مصطحبة معها الشكوك والشبهات.. كثير من شبابنا فاقد لابسط المعلومات الدينية وفاقد للحصانة الفكرية تماما. معلومات بدهية بالنسبة لك قد تغير حياتهم ونظرتهم للامور تماما، مع شيء من المتابعة والاهتمام بهم. هذا جهاد بكل ما في الكلمة من معنى. ولطالما شكا حاملو الهم من تشوقهم للجهاد وصعوبة سبله. فها هو الطريق مفتوح امامكم! فأين الهمم؟ اهتمام منك باحد الشباب تناقشه، تبني فيه اليقين بدينه، تزيل شكوكه، ترفع معنوياته، تبصره بدوره، قد يكون سببا في انقاذه من الخلود في النار! وتحوله الى جندي آخر من جنود الاسلام. هو ذاته، اذا تركته، فسيقع فريسة لشياطين الجن والانس ويصبح عدوا جديدا للاسلام وخنجرا جديدا في ظهر الامة. لا تستهن باي معروف، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا" [صحيح مسلم 2626]. امتنا كالمريض المثخن بالجراح لكن عندنا من الله ضمانة انه لن يموت. فاي دواء نافع يمكن ان تقدمه له سيسهم في عافيته واستعادة قوته ولو بعد حين.
دار نقاش بيني وبين احد الاخوة الذين احبهم في الله. عبر لي عن هاجس يثبطه عن الدعوة الى الله ومحاولة اصلاح الواقع، وقد كان هذا الهاجس نفسه يأتيني، واظنه يأتي لكثير منكم يا كرام: (لماذا اتكلم؟ لماذا احاول ان اغير؟ كلماتي لن تحدث فرقا كبيرا... غيري احسن مني... فلان اتقى مني فيما احسبه، والاخر اعلم مني، والثالث اكثر اخلاصا فيما احسبه. فهل سيفتح الله علي بما لم يفتح عليهم؟! هل سيجعل لكلماتي اثرا اكثر مما جعل لكلامهم؟! على ماذا؟).. نعم، كان هاجسا يأتيني فيغلبني حينا ويثبطني عن كتابة المقالات وتصوير الحلقات والسلاسل، واغلبه حينا فاتشجع وامضي في طريقي... قلت للاخ، واقول لكل من يأتيه مثل هذا الهاجس نفس ما تعلمت ان اخاطب به نفسي: مش شغلك! الله يفتح على من شاء بما شاء، ويوفق من شاء لما شاء. قد يكون فلان وفلان خيرا منك واكثر علما واخلاصا واقرب الى الله واعظم عنده منزلة، لكنه قد يفتح عليك او على اي عبد من عباده برحمة وتوفيق، ويجري على يدك خيرا لم يجره على يد من هم خير منك. ما تظنه (تواضعا) في هذه الحالة هو نزغة شيطان اذا ثبطك عن نقل هذا الخير للاخرين! مدخل خفي من مداخل الشيطان لنفسك فاحذره! اية حمية للدين وغيرة عليه، اية ارادة خير بالناس واشفاق عليهم من الباطل، اية لحظة يمتلئ فيها قلبك حبا لله ورسوله وكتابه وشريعته، فتدفعك الى كلمة طيبة ودعوة خير، فحياة قلبك هذه نور رزقك الله اياه، ليس من حقك ان توقفه عندك! بل اشع به على الاخرين. نعم، ليس من حقك (ولا اقولها كفتوى تحريم وانما كموعظة تحفيز)، ليس من حقك ان توقف الخير عندك. فدعك من تثبيط يلبسه الشيطان لك لباس التواضع! وانما الزم نفسك بامرين:
لا بد ان تفتر احيانا وتغفل احيانا. لكن: فرق بين ان تحس بانك نزلت عن شواهق الجبال التي ارتضاها الله لك، فلا تلبث ان تشعر بتأنيب النفس ووخز التقصير فتصعد من جديد... وبين ان تستمرئ الجلوس في القيعان ولا تتسنم ذروات المجد الا قليلا... قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "ان لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته الى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته الى غير ذلك فقد هلك" [اخرجه احمد 6958]. "ان لكل عمل شرة"، اي: نشاطا ورغبة، "ولكل شرة فترة"، اي: ضعف وفتور. ففتور الهمة احيانا لا بد منه. لكن المهم الا تنزل خلال هذا الفتور عن السنة، وهي هنا بمعنى هدي النبي صلى الله عليه وسلم من الالتزام بالفروض والابتعاد عن المحرمات. فالعبد العاقل يستغل فترة همته ونشاطه ليحلق عاليا، بحيث اذا فتر لم ينزل عن الحد الادنى المطلوب.
عندما انظر الى الخير الذي اجراه الله تعالى على يدي الدكتور الكويتي عبد الرحمن السميط رحمه الله اقول: سبحان الله! كثيرون عندما يرون ما يحصل في العالم من مجاعات يتساءلون: (لماذا يا رب؟)! بينما د. عبد الرحمن السميط رحمه الله سأل: (ماذا تحب مني ان افعل يا رب؟) فالمعاناة والمآسي التي بسببها يسخط البعض او يتشككون هي نفسها التي دفعت السميط الى ان ينزل الى الميدان، يعالج المساكين بالطب الذي تعلمه، يدعوهم الى الاسلام، يرويهم، يطعمهم، يفتح لهم المدارس والمساجد.. فأجرى الله على يديه بركة عظيمة. فما هو سبب شك او كفر للبعض هو سبب خير واجر عظيم وفتوحات باذن الله لاخرين. المفتاح هو ان تفهم مقام العبودية، فتعلم انه تعالى لا يسأل عما يفعل، وتسأل السؤال الصحيح: ماذا تحب مني يا رب ان افعل... "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" [المائدة: 54].
الداعية الصادق لا يوهم الناس ان التأهل للدعوة امر معقد يحتاج لحفظ المتون وفهم الشروح والالمام بالعلوم الشرعية... ولا يدندن حول ما يتميز به عنهم من ذلك ليقنعهم ان عليهم توقيره واتباع رأيه... الداعية الصادق يستحث همم الناس ويشعرهم ان الدعوة امرها سهل وفي متناولهم:
ونحن نتصدى لطوفان الافساد ومحاربة الهوية الاسلامية، سندفع ثمن المشي بعكس السير، وستصيبنا الضراء في اموالنا او وظائفنا او راحتنا واطمئناننا... ولكننا مع ذلك نكبح جماح الشر، بالجرأة في الحق وعدم الملل من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لنترك لابنائنا وبناتنا مجتمعا انظف يمارسون فيه دينهم، ما كانوا لينعموا به لو ان اباءهم طأطأوا الرؤوس وتركوا طوفان الافساد يتقدم بلا معارض. اختر لنفسك، اما ان تسكت وتترك لمن بعدك اياما صعبة تضيع دينهم، فتكون سمنتهم للنار من حيث ظننت انك قمت بواجبك في اطعامهم وكسوتهم والبقاء حولهم! او يقولوا - اذا اختاروا طريق الاستقامة وما يصحبها من مشقة شديدة حينها -: (ليت اباءنا وامهاتنا ما انجبونا)!! وإما ان تتصدى للطوفان فيقولوا: (رحم الله اباءنا وامهاتنا! تلقوا عنا سهام المفسدين، واخروا اندفاع الطوفان، لننعم بشيء من ديننا وشعائره). قال تعالى: "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا" [النساء: 9]. إن كنت تخاف على ذريتك، فاعظم ما تقدمه لهم تقوى الله، ومنها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول السديد، ومنه كلمة الحق في وجه المفسدين ولو كلفك هذا ثمنا.
تحصل احداث تكشف عن وجوه من الخير في الامة.. ومع ذلك فاذا ارادت الامة النصر فله سنن لا يمكن تجاوزها. (تفاءلوا بالخير تجدوه) ليس حديثا ولا حتى قاعدة صحيحة. بل الصحيح: اعملوا للخير وتفاءلوا به تجدوه. اما ان نكون ضعفاء في الاخذ بالاسباب ثم نكتفي بمشاهدة الاحداث دون سعي جاد للتأثير فيها، ومع ذلك يبشر بعضنا بعضا باقتراب النصر، فهذا تواكل مذموم وتقصير، لا حسن ظن بالله كما يظن البعض. والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الاماني. وقد جربنا من قبل ان الذين يتأملون دون عمل تنتكس نفوسهم فيما بعد ويشككون في وعد الله! اقول هذا لما اراه من حالة التأميل والتعليق بمواعيد قريبة، والتي تسود عند كثيرين، حتى على مستوى بعض الدعاة غفر الله لنا ولهم. اية ثلة تجاهد لاعلاء كلمة الله والدفاع عن المستضعفين فعلى الله اجرها، لكن من تجاوز السنن ان نعتبرها تنوب عن الامة كاملة ونظن انها ستأتي بالنصر لامة لم تنصر دين الله كما ينبغي النصر.. لا بد من التذكير بهذه المعاني قبل ان يقول قائل: "أنى هذا"؟ - لماذا لم يحصل ما كنا نرجو؟ "قل هو من عند انفسكم" [آل عمران: 165]. هل يعني هذا اننا لن نصلي في المسجد الاقصى قريبا؟ بل هذا يعني الا ننتظر من يقول لنا: (ها قد حررنا لكم الاقصى، تعالوا فصلوا فيه!)... هذا يعني الا نكون في دور المشاهد من بعيد، بل نتلمس الطريق لنصرة دين الله بما نستطيع. فكما قيل: نصر الله قريب، لكن نحن الذين نقترب منه او نبتعد عنه.. "ان رحمت الله قريب من المحسنين" [الاعراف: 56]. والمعادلة واضحة: "ان تنصروا الله ينصركم" [محمد: 7]. اذا حافظنا على الزخم عندما تستيقظ نفوس المسلمين، ولم تفتر هممنا كما كانت تفتر كل مرة، وحولنا الامل الى توبة ويقظة وعمل وهمة كما امر الله، فنصر الله قريب، والله يبارك حينئذ ويهيئ الاسباب ويعزنا ويرفعنا، وآخر همنا حينئذ قوة اعدائنا وتفوقهم، فالله يمكر بهم ويبطل كيدهم. ولسنا حينئذ ممن يستبعد النصر ويرى تأخره الى كذا وكذا من الازمنة الطويلة. عندما تحصل احداث تلهب المشاعر، ترى من الشباب من يستقيم او يوشك ان يتوب لانه احس بقرب الفرج. لكنه يكسل ويعود الى ما كان عليه اذا احس ان النصر له سننه واسبابه التي عليه الاخذ بها وبذل الجهد لها. فنقول له: "ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين" [آل عمران: 144]، "وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم" [محمد: 38]. فتعال! اقبل ولا تتول، واجعل توبتك من اسباب النصر الذي سيأذن الله به يوما ونحن بذلك موقنون ولله الحمد.. ما نحتاج ان نعمل عليه هو استثمار الاحداث التي تلهب مشاعر المسلمين، نستثمرها للشحن الايماني ورفع الهمم للعمل والمفاصلة بين الحق واهله والباطل واهله ونصرة المستضعفين بما نستطيع، وبنفس طويل وعزم وهمة عالية. تحتاج ان يكون لك مشروع تخدم به دينك.. كيف؟ من اين ابدأ؟ هل استطيع؟ والله يا اخواني ارى بنفسي كيف يمكن التأثير بشكل كبير في محبة الناس لربهم وتعظيمهم له واعتزازهم بدينهم، نرى من الله بركة في هذا كله. وهو بداية طريق النصر.. مفتاح هذا كله ان يقذف في قلبك الهم لدينك، اليقظة التي لا غفلة بعدها، فتجاهد نفسك واهواءك والله يبصرك بالطرق الموصلة: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين" [العنكبوت: 69]. الخلاصة: سؤال: هل سنصلي في الاقصى قريبا؟ ليس سؤالا عن معلومة لا دور لنا فيها مثل متى سيمر نيزك من السماء! بل نحن جزء من الجواب. فاللهم اعنا على طاعتك لنستحق نصرك.
هذا السؤال يشبه: (ماذا افعل لابني الطابق الرابع من بناية؟) الجواب ببساطة: ان تبني الطوابق الثلاثة الاولى.
في العديد من البلاد المسلمة، لا زال الناس يتقبلون الخطاب الدعوي الصادق المخلص الذي لا يريد الا نصرة الدين والخير للناس. هذه فرصتنا لندعو الى الله تعالى غيرة على دينه، لا رغبة فيما لدى الناس ولا رهبة منهم. قد يأتي يوم، كالذي اتى على بعض البلاد، تعمل التراكمات عملها، فلا يتقبل الناس هذا الخطاب، بحيث تعطي احدهم مطوية عن حب الله فيردها بفظاظة... تنصحه او تنصحها فيجيب بسخرية... تتقدم لعمل فترفض لمظاهر تدينك... تذهب الى مكان عام فينظرون اليك باستهزاء او تشكك... حينها، قد تنشط في الدعوة من بعد فتور وكسل، لكن نشاطك هذا سيكون الى حد ما لحماية كيانك الشخصي! لم يحركك من قبل ان ترى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها، لكن حركك نفور الناس عنك وسوء معاملتهم لك واغلاقهم الابواب في وجهك... حركك انك تحس بانك غزيت (في عقر شخصيتك). تأكد تماما ان الدعوة لوجه الله غيرة على دينه اخلص نية واعظم بركة واطيب ثمرة من دعوتك يومئذ لله ولاجل نفسك (معا)! تأكد تماما ان الناس يلمسون الفرق في تقاسيم وجهك ونبرات صوتك مهما حاولت الاخفاء! تأكد تماما انك انت في قرارة نفسك ستكون مهزوزا يومئذ تنظر الى نفسك نظرة دونية وتهاب الناس، بعد ان كان يمكن لك ان يلقي الله هيبتك في قلوبهم جميعا لو عملت في سبيله ايام الرخاء. هذا كله ان اخترت خيار الدعوة، وان لم يستغل الشيطان انكسارك ليبعدك عن الدعوة بالكلية ايثارا لنفسك، بل وقد يستدرجك لتترك استقامتك وتصير من الغافلين! عندما تكون هناك دائرة متاحة للدعوة قطرها متر فلا ينبغي لنا ان نحصر انفسنا في نصف متر! والوقت الذي نضيعه في ايام الرخاء في غير ما ينفع سنندم عليه غدا. كم حصل للمسلمين في بلاد الغرب ان قصروا في دعوة الاخرين وانشغلوا بالدنيا، حتى اذا حصلت احداث تضع المسلمين في دائرة الاتهام نشطوا في الدفاع عن انفسهم والحديث عن محاسن الاسلام، واحيانا بشيء من التزويق والتزوير ليناسب امزجة الناس! "ولو انهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا" [النساء: 66]، ولو انهم دعوا الى دين الله بلا رغبة ولا رهبة من الناس لكان ادعى للقبول عند الله ثم عند الناس وادعى لاحترامهم. بادر الان، ادع الى الله لاجل الله... فقط... و (تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة). هذه الرسالة ليست للـ (ملتزمين) و (الملتزمات) فقط، بل لكل من يحب الله ورسوله ويغار على دينه.
يبتلى بعضنا في سبيل الله... فيحدث هذا الابتلاء اثرا عميقا في نفسه: انسحاب من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفتور عن مواجهة الباطل واهله... وهو يرى هذا الانسحاب (حكمة). تمر الايام، فيرى محارم الله تنتهك اكثر فاكثر، وحدوده تضاع، ودينه يترك، والاجيال الجديدة تلوث فطرتها... فيجد نفسه على مفترق طريق:
يبخل البعض عن الانكار باللسان مع قدرتهم عليه ويظنون ان الانكار بالقلب كاف. مع ان الحديث: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان" [صحيح مسلم 49]. لاحظ قوله صلى الله عليه وسلم: "فان لم يستطع". فلا يجوز النزول عن رتبة الى ما بعدها الا عند عدم الاستطاعة.
الفجوة الثقافية مع طلاب الجامعات من الظواهر التي ينبغي ان يتنبه لها المربون والمصلحون. فما تظنه انت بدهيا معروفا للجميع قد لا يكون كذلك لدى اكثرهم! من طبيعة عملي كدكتور جامعي درست في عدة جامعات خاصة وحكومية واعطيت محاضرات ثقافية فيها لاحظت هذه الظاهرة بوضوح. في احد الاختبارات القصيرة كان السؤال: اي من الادوية التالية المانعة للتخثر يمكن اعطاؤه عن طريق الفم؟ وضعت خيارا صحيحا (warfarin) وخيارات اخرى ووضعت معها (Stalin)، الزعيم الشيوعي السفاح المعروف (او الذي ظننت انه معروف!). وهناك من اختار (Stalin) كجواب! عندما ذكرت ذلك لدفعة اخرى على سبيل الطرفة تفاجأت بان الطلاب لم يعرفوا من هو ستالين! في جامعة اخرى تكلمت عن الايجابية، فاستشهدت بحديث: (احرص على ما ينفعك) الذي كان من ابجديات ما تعلمته، ومن اشهر الاحاديث. سكت ليكمل الطلاب الحديث فلم يكملوه... لعل بعضهم هاب، لكن كان واضحا انه ليس من الابجديات كما هو جلي لي! ليس محل الشاهد من الموضوع التحسر على الفجوة الثقافية، بل اعتبارها فرصة للمربين والمصلحين: ما تراه انت بدهيا قد لا يكون بدهيا لدى كثيرين... فلا تستقل اية معلومة نافعة يمكن ان تنشرها وتعلمها. قد تظن ان الشيوعية سقطت من اعتبار (الجميع) بعد جرائم ستالين الذي قتل وشرد وعذب عشرات الملايين، بينما بعض من حولك يتأثر بمخلفات الدعوات الشيوعية او الاشتراكية. قد تظن ان الحديث الصحيح الذي تعرفه يعرفه (الجميع) وليس كذلك. صحيح انني تألمت يومها حين لم يعرف الطلاب حديث (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل لو اني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل). لكني استمتعت بعدها وانا املي عليهم الحديث واطلب منهم ان يكتبوه، متذكرا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ اوعى من سامع" [رواه الترمذي 2657 وقال حسن صحيح]. وقوله: "بلغوا عني ولو آية" [صحيح البخاري 3461]. وقد حصل ايضا ان اتعلم من غيري ما يتفاجأ بانني لم اعرفه من قبل. فعلينا الا نستهين بشيء نعلمه اخواني، طالما كان موثوقا نافعا... ولا نقف عند التحسر على بساطة ثقافة الكثيرين، بل لنعلم ونتعلم، فأن تشعل شمعة واحدة خير من ان تلعن الظلام الف مرة.
قد تكون وتكونين اصحاب معاص كثيرة... هذا لا يجعلك تقعد عن الدفاع عن اسلامك عندما تراه وترى ابناء الاسلام مستهدفين. بل دفاعك عنه قد يكون السبب الذي به يغفر الله ذنوبك ويوفقك لطاعته ويقذف محبته وتعظيمه والتعلق به في قلبك ويرزقك به عزة الاسلام. "ان العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات" [صحيح البخاري 6478]. ليس درجات في الاخرة فقط، بل وفي الدنيا ايضا. اظهر حبك لله ودينه، انكر المنكر، لا تسمح لذنوبك ان تمنعك، ولا تعبأ بسخرية الساخرين وتخذيل المخذلين. فالله احق ان تسترضيه... "إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [هود: 34].
يتمنى أحدنا أحيانا أن تحصل له كرامة خارقة للعادة، خاصة المبتلى، ليشعر بأن الله معه. لكن عند التأمل، فكما قال علماؤنا: (الاستقامة أعظم كرامة).
عندما تكون أيها المسلم المستقيم في هذا الزمن الصعب، يتعاقب عليك شياطين الإنس والجن "مكر الليل والنهار" [سبأ: 33]، وبعض الدوائر والمراكز تتعاقب عليها ثلاث (شفتات) حتى لا تخلو ساعة من عمل!
ولا تقف المسألة عند حدود القدرات البشرية، بل: "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم" [الأنعام: 121]، كما يقال: الشيطان يفكر عنهم!
وينفقون المليارات في الإعلام ولديهم مئات مراكز التخطيط الاستراتيجي في العالم بميزانيات ضخمة وضعت على رأس أولوياتها "ليصدوا عن سبيل الله" [الأنفال: 36]... وينفقون المليارات في حروب عسكرية: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" [البقرة: 217]... ويعاونهم أناس من أبناء جلدتك وبأسماء إسلامية مثل اسمك ممن يلبسون الحق بالباطل ويستدلون بالقرآن محرفين الكلم عن مواضعه.
وأنت مع هذا كله ثابت على دينك، مستقيم على أمر الله! ماذا تريد كرامة أكبر من هذه الكرامة؟! وماذا تريد خرقا للعادة أكبر من هذا الخرق؟! "وإن كان مكرهم لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ" [إبراهيم: 46]، (قراءة متواترة صحيحة بضم اللام لتزول)... ومع ذلك لم يزل مكرهم الإيمان من قلبك! فإيمانك أرسخ وأثقل من الجبال! لذلك كله: الثبات على الاستقامة أعظم كرامة.
أصل فكرة المقال من حوار مع أخ كان رفيقي في ظرف صعب حين قلت له إني أحب أن أرى رؤيا مبشرة بمعية الله، فذكرني جزاه الله خيرا بهذه المقولة: (الاستقامة أعظم كرامة).
كثيرا ما يغتر أحدنا بأن وضعه الديني (مستقر)... فعلى الرغم من أنه مقصر في الطاعات، الخشوع، نصرة الدين، طلب العلم الشرعي النافع، الرد على المشككين، تقريب الناس من ربهم... وعلى الرغم من عمله المشوب بالحرام، نظراته المحرمة، تراخيها في حجابها، ضوابط التعامل بين الجنسين...
على الرغم من هذا كله إلا أن الله تعالى لم يفتنه عن دينه، فها هو لا يزال يصلي ويصوم ويحب الإسلام ويجتنب الكبائر (على افتراض أن التقصير فيما مضى ليس من الكبائر)... وبالتالي فإن الله تعالى لم يحرمه ولم يعاقبه في دينه على تقصيره.
يغفل هذا المسكين عن حرمان كبير هو واقع فيه! قد كان يمكن له أن يكون (شيئا مؤثرا) في تاريخ البشرية... قد كان يمكن له أن يكون من أنصار الله تعالى في أرضه، يحيي في كل يوم سنة ويميت فتنة ويرد شبهة ويقمع باطلا ويوقظ غافلا ويقرب بعيدا وينشر هدى ويحيي نفوسا أماتها الجهل والهوى.
قد كان يمكن له أن يذكره الله في الملأ الأعلى ويحتفي به أهل السماء لما يرونه من نصرته لله تعالى ومحبة الله له. قد كان يمكن له أن يكون من السابقين الصديقين المقربين... قد كان يمكن له أن يكون من الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب...
قد كان يمكن له أن يكون علامة فارقة في التاريخ، وأن يكتب الله لجهده قبولا وأثرا مباركا إلى يوم الدين... قد كان يمكن له هذا كله... لكنه رضي بما دونه، بل لم تخطر بباله هذه المعالي أصلا، أو خطرت فترة ثم نسيها!... وبقي سنوات يصارع التأخر عن صلاة الفجر، وشهوة الإكثار من الطعام وما يتبعه من كسل ونوم، والفتنة بالزميلات في الدراسة أو العمل!
بينما غيره ينصر الله به الدين ويرتفع درجات في عليين وتحل عليه إلى الأبد مرضاة رب العالمين... وقد حجز مقعده في الفردوس الأعلى... إن لم يكن هذا هو الحرمان فما الحرمان؟! وإن لم تكن تلك عقوبة فما العقوبة؟! قد يدخل الجنة في النهاية، لكن بعد مرارة الإحساس بالغبن في اليوم الذي سماه الله تعالى: "يوم التغابن" [التغابن: 9].. اليوم الذي يندم فيه المسيء على إساءته، ويندم المحسن أن لم يزد إحسانا.
هناك آفاق عظيمة تنتظرك... فلا تحجبك عنها الغفلات. هناك لذات علوية، فلا ترض بها بديلا. هناك مقامات عالية، فلا تقنع بالدون. والعمر قصير، فلا يغررك طول الأمل. يا رب تداركنا برحمتك قبل أن نندم.
عندما تتأثر برأي الآخرين فيك وكلامهم عنك ولومهم لك... عندما تضيع البوصلة: تقوم بعمل، أو تتخذ موقفا، يمدحك المادحون عليه فتسر، يلومك اللائمون فتندم، وتتخذ موقفا آخر لتعدل الوضع، فيلومك آخرون ويذمك من مدحك بالأمس، وتتشتت نفسك وفكرك ولا تدري ماذا تفعل...
فاقرأ حينئذ قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" [المائدة: 54].
"يحبهم": وإذا أحب الله عبادا له أراهم لطائف وعلامات تلك المحبة، فيأنس بها العباد أيما أنس. استشعار تلك المحبة هو مصدر طمأنينتهم وثباتهم وقوتهم. وهم مستعدون لفعل أي شيء للمحافظة عليها، ويرفضون بحزم فعل أي شيء يفقدهم محبة الله لهم واستشعار أنه معهم.
"ويحبونه": محبة ملأت عليهم قلوبهم، لا يزاحمها التفكير في نظرة الناس لهم، ولا يقدمون عليها استرضاء أحد من الخلق أو دفع سخطه وملامته. بل محبتهم لله تحكم شعورهم ومواقفهم ونظرتهم لكل أحد ولكل شيء، وعلى أساسها يكون حبهم للآخرين أو بغضهم. فهي محبة مهيمنة حاكمة، لا شريكة مزاحمة.
"أذلة على المؤمنين": لأن محبة المؤمنين تابعة في قلوبهم لمحبة الله تعالى. وذلهم للمؤمنين دليل على أن استخفافهم باللوم ليس عن كبر ولا غرور.
"أعزة على الكافرين": حتى لو ظهر الكافرون منتصرين وأن العزة لهم، فمحبة الله في قلوب المؤمنين مصدر استعلاء وثقة، لا تنهزم نفوسهم ولا تنكسر.
"يجاهدون في سبيل الله": بقلوبهم وألسنتهم وأيديهم. يجاهدون الكفار والمنافقين وباطلهم وإفسادهم، وهم يعلمون أن جهادهم هذا قد يكون تجديفا عكس التيار وقد يعرضهم للكثير من التضحيات.
ومع ذلك: "ولا يخافون لومة لائم": هذا اللائم قد يكون من أهل الباطل، يلومك ليخذلك أو يندمك أو يشمت فيك. وقد يكون من المسلمين المحبين لك، يلومك على ما (خسرته) وأنت تنكر المنكر أو تحارب الباطل، يلومك محبة لك وخوفا عليك. ومع ذلك، فهذا اللوم كله، أيا كان صاحبه وأيا كان دافعه، لا يؤثر في مواقف المؤمنين الخلص، ولا يخافونه، ولا يحدث لديهم ندما ولا تراجعا إذا كانت مواقفهم منطلقة من محبة الله، وإذا كانت تضحياتهم في سبيله وابتغاء وجهه الكريم، حتى لو كان لوم محب مشفق حريص عليهم، لكنه غير محق بلومهم في ميزان الله.
لذلك لاحظ العموم: "لومة لائم". فالحزم والإعراض عن اللوم دليل يقينهم بالدين الذي من أجله يضحون، ودليل قوة عزمهم.
"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء": ذلك الاجتماع للقلب على محبة الله، بحيث لا يتشتت شمله، ولا يتمزق على محاولة إرضاء هذا وذاك، ولا يندم بلوم هذا وعتاب ذاك، بل يصبح المؤمن هو الموجه والمؤثر في مواقف اللائمين والمصحح لمسارهم، ويحمدون له يوما ما كانوا قد لاموه عليه بالأمس. هذا كله فضل من الله، ما أسعد من تعرض لطلبه وحظي به.
"والله واسع عليم": سعة تتعالى على التأثر بمواقف لحظية من حب الناس وبغضهم ومدحهم ولومهم، وعلما بعواقب اليقين وعمق محبة الله في قلوب المؤمنين.
فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟! في مجادلته لقومه قال صالح عليه السلام: "فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير" [هود: 63] وهذا ما ينبغي أن يقوله كل داعية صادق للظلمة الذين يساومونه بالترغيب والترهيب ليداهن إفسادهم واستعبادهم للناس ويحرف في دعوته بما يناسب أهواءهم: من ينصرني من الله إن عصيته وأطعتكم أنتم وداهنتكم؟
من ينصرني من الله إن عصيته فعاقبني بأن حرمني توفيقه وأعمى بصيرتي فصدرت عني أفعال مخزية تسقطني من عينه ومن عيون الناس إلى الأبد؟ من ينصرني من الله إن عصيته فجعلني أفقد احترام أولادي وأقرب الناس لي بل واحترامي لنفسي؟ من ينصرني من الله إن عصيته فسلط علي مرضا مزمنا عضالا أتمنى معه الموت فلا أجده؟! من ينصرني من الله إن عصيته فسلطكم أنتم علي أيها الظالمون فظلمتموني مع أني استرضيتكم بسخط الله؟! من ينصرني من الله إن عصيته فعاجلني بالموت على خاتمة سوء ووقفت بين يديه لا مدافع منكم ولا نصير، فماذا أقول له يومئذ وبأي وجه ألقاه؟!
بماذا ستنفعونني في هذه المواقف كلها؟ بل "فما تزيدونني غير تخسير" لن تزيدوني إلا خسرانا... أنا وإياكم مقهورون لله "القاهر فوق عباده"، فاذهبوا وساوموا ورغبوا وهددوا من لا يعرف هذه الحقيقة عن نفسه وعنكم!
كثيرا ما نذكر أن الذي يقع في الفتن والشهوات يسود قلبه، لكن هذه نصف الحقيقة فقط! النصف الآخر الذي لا يقل أهمية: أن الذي يقاومها ينال جائزة فورية: البقعة البيضاء!
عندما تتعرض لفتنة فهما نتيجتان لا ثالث لهما: إما البقعة البيضاء وإما البقعة السوداء. ليس هناك احتمال ثالث أن لا لك ولا عليك! وهنا الجائزة الفورية! عندما تقاوم الشهوة والفتنة فلا تصبر نفسك بأجر الآخرة فحسب، ولا بأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه لاحقا فحسب، بل هناك بقعة بيضاء فورية، تؤهلك لأن تصبح من أصحاب القلوب البيضاء التي تميز الصواب في هذا العالم المحير، والتي تشعر بلذة التعلق بالله تعالى، والتي يسكب الله فيها الأنس به والشوق إليه وحبه وحب دينه وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وحب المسلمين فيه سبحانه.
عندما ترى أن الله تعالى يعرضك لفتن ويصبرك عليها فاعلم أنه يريدك لكرامة في الدين تحتاج قلبا أبيض. لا يعني هذا طبعا أن نحوم حول الشهوات ونقتحم غمارها، لكن أن نصبر إذا واجهتنا. وفي المقابل، تذكر أن تقبل الفتنة والاستمتاع بها له عقوبة عاجلة: نكتة سوداء تحرمك من المشاعر النبيلة المذكورة، ويحل محلها التشتت والتيه في فتن الشهوات والشبهات.
هذه المعاني موضحة في حديث رواه الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا" أي متشابكة كثيرة تلو بعضها كتشابك الحصير. "فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء" أي أن القلب الذي يقبلها ولا يدافعها تلقى فيه بقعة سوداء. "وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء" الذي يقاومها ويرفضها ويصبر عنها تلقى فيه بقعة بيضاء. "حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض" قلب المتصبر عن الفتن يصبح أبيض شيئا فشيئا، ببياض جبل الصفا، فتصبح عنده قوة ومناعة ضد الفتن التي ستعرض له فيما بعد ولو كانت أكبر من الأولى. "والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا" يصبح القلب أسود اللون بلون الرماد. "كالكوز مجخيا" يعني مثل الجرة المقلوبة على فمها. هذه الجرة لو جئت بصهريج ماء كامل فيه أمتار مكعبة من الماء، وحاولت أن تصب شيئا من هذا الماء في هذا الكوز المقلوب، كم سيدخل؟ ولا نقطة! وكذلك القلب الذي يقبل الفتن ولا يدافعها ويتلطخ بالسواد يصل إلى مرحلة يكون مثل هذه الجرة المقلوبة.. قد تأتي له بآيات وأحاديث وأبيات شعر ومواقف للصحابة وقصص مؤثرة فلا تهز فيه شعرة واحدة! لأنه أصبح منكوسا والعياذ بالله. "لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه" (صحيح مسلم 144). يصبح محركه في حياته ومقياسه في الحكم على الأشياء الهوى فقط.
عندما تقاوم الفتن وتحمي نفسك منها فتذكر أنك حميت بفضل الله من هذا المصير المخيف، وتلقيت جائزة فورية ببياض قلبك، فلا تنسها ولا تفرط فيها.
فرق بين أن تحفظ آية أو حديثا من جهة وأن توقن بهما من جهة أخرى. هناك حديث عظيم... عندما توقن به فإنك تسير على الأرض وقلبك معلق بالعرش، لا ترجو سوى الله، وغيره لا تخاف.. لأنك توقن بعده أن مديرك في العمل، وزميلك الذي يكيد لك، وأستاذك في الجامعة، وأي موظف حكومي يسعى في تحميلك أعباء مالية، وقريبك الثري، ومحبيك ومبغضيك ومؤيديك ومعارضيك وشانئيك وحاسديك جميعا، على أرض الواقع وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي... والمليارات من البشر... هؤلاء كلهم... كلهم بلا استثناء... عبيد مقهورون لله تعالى... قلوبهم بين أصبعين من أصابعه سبحانه، لا ينفعونك إلا بإذنه ولا يضرونك إلا بإذنه.
فإن أردت خيرا فاطلبه من القاهر فوق عباده، وإن خفت من العبيد شرا فاستعذ بسيدهم سبحانه. هذه حقائق... فالآيات فيها محكمة غير متشابهة ولا منسوخة، والأحاديث فيها صحاح. إنما الدور عليك أن توقن بها، وحينئذ فأنى لقوة من هذه القوى المقهورة أن تخيفك أو تطمعك أو تشتري ذمتك أو تجد إلى قلبك سبيلا لتصرف نيتك عن الإخلاص للقاهر وتوقعك في الرياء أو التزلف للمقهورين؟!
هذه حقائق... فإن آمنت بها تجمعت فلق قلبك الممزق وانتظمت خرزاته والتم شعثه على الله عز وجل. أذكر يوم مررت بظرف صعب مخيف قبل سنوات طويلة.. ثم تذكرت فجأة هذا الحديث... فكأنه طرق كياني ليجمع قلبي المبعثر... ليجمعه على الله وحده.
إنها كلمات عظيمات تحدث انقلابا في الكيان... علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لطفل (عبد الله بن عباس) وهو يركب خلفه على الدابة... ليبني بها شخصيته. فحري بنا نحن البالغين أن نعيد تأسيس شخصياتنا على أساسها... فقد فاتنا الكثير، وأضعنا من عمرنا وفكرنا وجهدنا وصحتنا الكثير لغفلتنا عن الحديث، الذي ربما حفظناه... لكن نحتاج هذه المرة أن... نوقن به! إنه قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف" [سنن الترمذي 2516].
كلما دعتك نفسك إلى معصية.. تذكر: أن أمتك الجريحة تنتظر من يحمل همها؛ ويتلمس طريق عزتها! معصيتك وغفلتك تجعلك عبئا جديدا على أمتك ... اتق الله.. فالحمل كاد يكسر ظهرها!
هذه الكلمات أعلاه كانت سببا في قصة لطيفة أرسلها لي أحد الإخوة قائلا: (قبل مدة قص علي صديق لي قصة رائعة كنت أنت طرفا فيها، فأردت اليوم أن أسردها عليك): قال لي: (إن ثقة حدثه عن شاب فلسطيني تعرف على امرأة متزوجة، وبدأت بينهما علاقة في مواقع التواصل، يتراسلان ويتهاتفان، وكانت تطلب منه أن يقدم إليها، فسبحان الله! كان كلما هم بالمجيء جد له أمر فلم يستطع! هكذا في كل مرة! حتى أعلمته مرة أن زوجها قد سافر وتركها في البيت وحدها، فطلبت منه المجيء، فحرض نفسه، وأوقف سيارة أجرة وانطلق نحوها، وفي الطريق إليها (وإلى الفاحشة) - تخيل ماذا تذكر يا دكتور؟! - يقول: فتذكرت مقولة الدكتور إياد قنيبي: [كلما دعتك نفسك إلى معصية تذكر أن أمتك جريحة تنتظر من يحمل همها، ويتلمس طريق عزتها، ومعصيتك وغفلتك تجعلك عبئا جديدا على أمتك.. اتق الله فإن الحمل كاد يكسر ظهرها!] فاستفقت ورجعت، وقمت بحظر المرأة وحذفها).
فانظر يا دكتور كيف أن كلمة واحدة زجرت قلب مؤمن وحالت بينه وبين المعصية.. واصل يا أبانا الحبيب، فإنك على ثغر!
أقول: ترون لماذا علينا ألا نيأس أبدا؟! أترون لماذا أؤمن بعمق بأن الكلام يؤثر وبأن علينا أن نعمل بلا كلل ولا ملل؟ أترون لماذا أحب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا أقطع الأمل في أبنائها مهما بدا أنهم ابتعدوا؟! لأجل هذا ننشر قضايا أمتنا، ليتحول الهم إلى همة وترفع عن الحرام. اللهم ثبت عبدك هذا واربط على قلبه وأعفه بالحلال وجميع شباب وبنات المسلمين.
قدر الله لي أن تفوتني طائرة العودة من إسطنبول إلى الأردن، فذهبت إلى بيت صديق لي بانتظار الرحلة التالية... وفي حديثي مع ابنه الشاب ذي الـ16 سنة من العمر، سألته: (هل تعاني مع فتنة النساء هنا يا فلان؟) قال لي: (جدا)... فقلت له: (سأذكر لك تجربتي مع هذا الأمر وما أكرمني الله به). وأنا أعيد ما ذكرته له لإخواني الشباب والشابات لتعم الفائدة.
بداية يا شباب، المسلم عليه ألا يعرض نفسه للفتنة... يعني لا تذهب بنفسك إلى مكان فيه فتن وتقول (سأصمد).. لا تختبر إيمانك بهذا الشكل. فكم من إنسان زل وضل من تعريض نفسه للفتن. والمنافقون يقال لهم يوم القيامة: "ولكنكم فتنتم أنفسكم" [الحديد: 14].. يعني عرضتموها للفتنة حتى فتنتم. لكن افترض أنك احتجت بالفعل أن تكون في مكان فيه فتن طاغية... كيف تتصرف؟
كنت في المرحلة الجامعية في البكالوريوس ثم في مرحلة العمل في الأردن قبل دراسة الدكتوراه... كان تعريضي للفتن قليلا... الحاجة للتعامل مع الجنس الآخر قليل، وإذا حصل تعامل ألزم غض البصر ومنشغل بالدراسة والعمل.
حصلت على منحة لمتابعة الدكتوراه من جامعة هيوستن الأمريكية. وطبيعة المنحة هي أن أدرس الدكتوراه برسوم منخفضة جدا وأحصل على راتب من الجامعة مقابل عملي كمساعد تدريس. عملي كمساعد تدريس يعني الحاجة للتعامل مع طلاب وطالبات، حيث أشرف على مختبر الطلاب والطالبات فيه مقسمون إلى مجموعات. وأنا والدكتور المشرف على المختبر نسلمهم في بداية المختبر حالات مرضية، ثم نعطيهم فرصة لمناقشتها والبحث عن العلاج الأمثل لها، وخلال ذلك يسألنا الطلاب بعض الأسئلة فنجيب ونوجههم للمصادر المناسبة، ثم يقوم ممثل أو ممثلة عن كل مجموعة بعمل Presentation، شرح لكيفية العلاج، ونقوم بتقييم الأداء. وأحيانا يأتينا زائر أو زائرة ممن يعملون في قطاع الـ Pharmacy doctor ليشرحوا للطلاب عن آفاق المهنة.
كنت خلال ذلك أؤدي مهمتي، وأغض البصر، وأتعامل برسمية، وأقدم المساعدة... الذي يحصل في هذه الحالة أن بعض الغربيات إذا رأين منك هذا التعفف والأخلاق يصبح عندهن فضول، وأحيانا رغبة في كسر حالة الشموخ هذه لديك. يعني وكأنه تحد لهن (challenge) أن يكسرن هذا الترفع.
تعرضت لمحاولات من هذا النوع. فكانت ردة فعلي أن ألجأ إلى ربي عز وجل قائلا: "وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين" [يوسف: 33]... تبرأت إلى الله من حولي وقوتي وطلبت التثبيت منه سبحانه. هذا أولا.
ثانيا: هربت من الفتنة هروبا... الإنسان قد يضحك على نفسه ويقول: (إيش أعمل يا رب؟! أنا مضطر أتعامل مع هؤلاء) ويكون في قلبه فرحا بأن الفتنة جاءت لعنده وفرضت نفسها عليه. لم أفعل ذلك ولم أضحك على نفسي. بل بادلت المختبرات التي فيها محاولات التقرب.. بادلتها مع زميلة في برنامج الدكتوراه بحيث أؤدي مهمة أبتعد فيها بنفسي عن مواطن الإغواء. فالمؤمن لا يحوم حول الفتن، بل إذا جاءته هرب منها.
سكنت في أمريكا بجانب مسجد فيه أجواء إسلامية جميلة... لكن السكن لم يكن كل سكانه من المسلمين... في طريقي من مصف السيارات إلى شقتي كنت أمر بمسبح، واستمر ذلك لسنوات، لم أكن فيها ألتفت لهذا المسبح وما فيه. وذلك بفضل الله وحده وتوفيقه.
ترى يا شباب أنا عندي عيوب وتقصير ونقاط ضعف، ولست مثاليا لا والله. لكن فتنة الشهوات بالذات كنت أحذر منها بشدة لأنني أخشى أن يطمس على قلبي بسببها فأصل إلى مرحلة أكره فيها دين الله وأحرم بسببها أن أكون كمن قال الله لهم: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان" [الحجرات: 7].
كان من الممكن أن أقول لنفسي: (صغائر أكفر عنها بالأعمال الصالحة).. لكن لا، لأني كنت أدرك أني ممكن بشؤم هذه الصغائر يزيغ قلبي فأدخل في كبائر القلوب ككراهية ما أنزل الله، وهو ما حصل لعدد من المسلمين في الغرب، ممن بدأت فتنته فتنة شهوات ثم انقلبت شبهات. تلطخت مرآة قلبه فما عادت تظهر الأشياء على صورتها، ما عادت ترى الإسلام حسنا ولا الكفر قبيحا. "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين" [الصف: 5].
وهو الأمر الذي كنت أخاف منه كثيرا فأتحاشاه. وعندي في المقابل نقاط ضعف وأسأل الله العفو والعافية. كنت في غض البصر وسط الفتن أستشعر قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه" (صحيح مسلم 144).
جاءت فتن متتابعة... أنكرتها.. فأحسست بعدها بالحصانة كأني تلقيت مطعوما بجرعات تقوية متتابعة. وأحسب أن الله تعالى عوضني عما تركت خيرا كثيرا... الطالب الذي يعيش في أجواء فيها فتن فيغض بصره ويتعفف، يكون هذا أدعى أن يطلق طاقاته في العلوم النافعة ويبرع فيها ويتفوق على أهل الأديان أو الملحدين ممن ليس عندهم هذه المعاني. وقد أكرمنا الله بهذا، وأعفني بعد ذلك ببنت الحلال الله يكرمها. ونسأل الله ألا يسلب منا نعمه بعيوبنا وتقصيرنا.
أنت عندما تصون سمعك وبصرك فإنك تصون قلبك: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" [الإسراء: 36]... تحمي قلبك من أن تدخل عليه لطخات المعصية عبر السمع والبصر، فتبقى مرآة هذا القلب صافية، وهذا أدعى أن ترى الأمور على حقيقتها: "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" [الأنفال: 29]... فرقانا تفرق به بين الحق والباطل. يؤتيك الله سبحانه نور محبة دينه وكتابه والدعوة إليه. طبعا غض البصر والتعفف أحد الأسباب وليس كل شيء، لكنه سبب مهم.
تصوروا لو أن العبد الفقير لما حامت الفتن حوله، لو أنه انزلق قليلا، وتبع هذا الانزلاق تعلق وانزلاقات متتالية، هل كان ليستعمله الله في الدعوة إليه سبحانه والدلالة عليه؟! المعاناة في غض البصر تنقلب إلى لذة، لذة الاستعلاء على الحرام، لذة الانتصار على الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، لذة التضحية في سبيل الله وتقديم محبته وتعظيمه على اللذات الفانية. ثم يصبح الأمر أسهل وأسهل بإذن الله. "ويزيد الله الذين اهتدوا هدى" [مريم: 76].
أنا أذكر هذا الكلام لكم يا شباب لا على سبيل التفاخر، بل لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (صحيح البخاري 13)، وأنا والله أحب لكم ما أحب لنفسي. أنا أعلم يا شباب أن الفتن شديدة هذه الأيام... لكن تذكر: أنت عندما تغض بصرك فإنك لا تفعل ذلك التزاما بقواعد جافة جامدة، بل أنت تتعامل مع رب العزة الحكيم العليم الذي يبصرك ويسمعك "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" [غافر: 19]، ما أمرك بغض البصر إلا وهو يعلم أنك عليه قادر: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" [البقرة: 286].. تتعامل مع الودود الكريم الذي إذا رآك تصبر من أجله أحبك وأكرمك وأعطاك.
تأخر سن الزواج ليس وضعا طبيعيا. ومن أسبابه الظلم والإفساد المتعمد في بلاد المسلمين.. وعلينا أن نعمل لنسترد حقوقنا المسلوبة ونقيم شرع الله، بحيث يأنس الشباب والفتيات بالزواج الحلال في سن مناسب. وعلينا أن نشجع على تسهيل الزواج مع الاستعداد النفسي والعلمي والتربوي له. حتى ذلك الحين نتذكر قول الله تعالى: "وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله" [النور: 33].
أنت إما أن تكون جزءا من مشكلة الأمة أو جزءا من حلها... إذا لم تغض بصرك فأنت ستكون جزءا من مشكلة الأمة ومتأثرا بها. بينما ما أجمل أن تكون حلا للمشكلة بأن تدعو إلى الله لتعين المسلمات المتبرجات على طاعة الله والتعاون مع إخوانهن من المؤمنين على استعادة مجد الأمة.
طبعا قد تكون مقصرا في هذا الجانب محسنا في جانب آخر. وحتى لو كنت مقصرا فلا تيأس وابق قاوم نفسك والشيطان مستعينا بالله. وأنصح دائما في ذلك بسلسلة إدارة الذنوب لأخينا الدكتور أيمن البلوي.
والله يا شباب كل جميلات الدنيا لا يعدل جمالهن جمال أن تكون سببا في هداية شاب أو فتاة وعودتهم إلى الإسلام أو إلى طاعة الله تعالى. هذه لذات لا تقارن باللذات الحرام. فكيف بلقاء الله تعالى يوم القيامة، الله الجميل الذي النظر إلى وجهه الكريم هو أعلى النعيم في الجنة. تريد هذا النعيم؟ ابذل لأجله في الدنيا وغض بصرك.
غض البصر ليس سهلا، لكن: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). الجنة.. سعادة أبدية لا تنقطع... لا موت معها ولا مرض ولا حزن ولا تعب ولا خوف ولا قلق. تريدها بلاش وبلا أية مشقة ولا تضحية؟
نبينا صلى الله عليه وسلم قال: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"، يعني طلعة في الجهاد خير من الدنيا وما فيها، "ولقاب قوس أحدكم - أو موضع قدم - من الجنة، خير من الدنيا وما فيها"، إيش يعني هذا الكلام؟ الآن القوس الذي ترمى به السهام؛ لاحظوا أن ما بين القوس والوتر ليس إلا بضع سنتيمترات مربعة، وهذا المقدار في الجنة خير من الدنيا وما فيها! وكذلك موضع قدم من الجنة. - (غريب!) - لا، ليس غريبا. لماذا؟ لأن هذا المقدار في الجنة دائم باق لا يزول بينما الدنيا زائلة فانية.
ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها - يعني الخمار - خير من الدنيا وما فيها" (صحيح البخاري 6567). هذه القطعة التي تلبسها على رأسها تزينًا، خير من الدنيا وما فيها! أنت إما أن تكون مؤمنا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله يخبر عن ربه عز وجل بالحق والصدق. فهذا الكلام حينئذ سيعينك في مشوار غض البصر في حياتك. وأما إن كنت تشك فعد إلى ترسيخ اليقينيات. كان هذا ما قلته للشاب ابن صديقي. وهذه بالمناسبة تذكرة أن نصارح أبناءنا اليافعين ونسألهم عما يتعرضون له ونظهر لهم التفهم ونعطيهم الحلول ونذكرهم بالأجور العظيمة عند الله.
ماذا عن بناتنا؟ يعني هو الكلام فقط للشباب؟ أعلم يا بناتي أن بعضكن تعاني أيضا مع غض البصر ومع حفظ نفسها في أجواء الفتن. وكل ما قلته للشباب أقوله لكن: النصيحة بتجنب مواطن الفتن ابتداء، وعدم الحوم حول الفتن ولا التعذر بأنها جاءتنا إلى عندنا، وتذكر الأجور العظيمة في طاعة الله عز وجل.
قالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله إن النساء قلن: (ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال). فأنزل الله تعالى آية تبين أن الأجور المذكورة هي للذكور والإناث فقال تعالى: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما" [الأحزاب: 35]. أسأل الله تعالى أن يعيننا جميعا على طاعته ويرزقنا نورا في بصائرنا ويمتع الأمة الإسلامية بأيام عز تتلاشى فيها الفتن ويسود فيه الأنس بالزواج الحلال وتسترد فيه أمتنا مجدها وكرامتها.
(كنت في زيارة لأخ عزيز يصارع المرض ويعاني آلامه الشديدة. فقرأت عليه آيات، وكان منها خواتيم سورة آل عمران، فاستوقفتني منها آية: "فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب" [آل عمران: 195].
فقلت له كلمات أود أن أقولها لنفسي ولإخواني لنستفيد جميعا، خاصة الذين يعانون من بلاء شديد ويكاد صبرهم ينفد: انظر المؤمنين المذكورين في الآية ومهر الجنة الذي دفعوه، خمسة أشياء:
ماذا كان جزاؤهم؟: "لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب".
في المقابل، ماذا فعلنا نحن؟ وماذا قدمنا من هذه المهور الخمسة للجنة؟ هل هاجرنا؟ أخرجنا من ديارنا؟ أوذينا في سبيل الله؟ قاتلنا؟ قتلنا؟ ونريد أن ننعم بجنة عرضها السماوات والأرض لنا فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا بلا انقطاع؟ فهل إذا ابتلانا الله لندفع مهرا للجنة تبرمنا وضاقت نفوسنا وبخلت بالمهر؟! "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين" [آل عمران: 142]. إذا لم نصبر فعلام نحسب أننا سندخل الجنة إذن؟! (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
عندما أرى مثل هذه الصور أتذكر بعض المحسوبين على الإسلام الذين يسخطون على القضاء والقدر إذا (بنشر) عجل سيارة الواحد فيهم أو رشقته سيارة عابرة بماء المطر! مسلمون في بلاد منكوبة دمرت منازلهم، قتل آباؤهم وإخوانهم، أصيب أطفالهم بالإعاقات من صغرهم، ثم يأتون يصلون في مساجد الله المهدمة في خضوع ورضا وتسليم بقضائهم واستراخاص للغالي والنفيس في سبيل الله فيما نحسبهم. تعلموا أيها العاتبون على القدر!!
(إذا لم يعجبك ما يحدث في البلد فاخرج منها) هذه العبارة قد يسمعها المسلم وهو يحاول الإصلاح في مجتمعه وإنكار المنكرات، مجدفا عكس التيار. والذين يقولونها عادة هم المستكبرون، الذين يرون أنفسهم أصحاب الأرض لأن القوة بأيديهم، فالسماح لك بالعيش ضمن (سلطانهم) كرم منهم وتفضل! ومخالفتك لقوانينهم - بدعوتك القرآنية السنية - جريمة تجيز لهم طردك أو حبسك، على طريقة من قبلهم: "لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا" [الأعراف: 88]. لاحظ: "أرضنا"!
لا عجب أن يتكبر المتكبرون، لكن الخطورة إذا تسرب (منطقهم) هذا إلى نفسك أيها المسلم فأحسست أنهم أصحاب الأرض حقا وأنك بدعوتك متطفل! فهذا شكل من أشكال الهزيمة النفسية.
لا بد أن نستحضر دوما أننا نحن - الذين نطيع الله وندعو إلى طاعته - أنا نحن أهل الأرض، وأن الذين يريدون تطويع الناس لأهوائهم هم المتطفلون، وليس العكس. عندما يقول قائلهم (إذا مش عاجبتك قوانين البلد اطلع منها) فجوابنا جاهز: (إذا لم تعجبك شريعة خالق البلد والكون فاخرج من كونه)!
لو أن صاحب عمل استأجرك مع آخرين لبناء بيت في بستان ثم غاب عنكم فترة، فبدأت تعمره كما أمرك، وبدأ الآخرون يخربون، ثم صوبوا نحوك الأخشاب والحجارة و(بلطجوا) بها عليك قائلين: (نحن أكثر منك وأشد قوة، لذا فنحن أصحاب البستان، فأطعنا أو اخرج من البستان). قد تخاف من أذاهم، لكنك ترى فعلهم هذا بلطجة ومنطقهم سخيفا، خاصة وأنك تدرك أن صاحب العمل عائد وسيرى ما صنعت وصنعوا، ولن تحس للحظة أنك متطفل، أو أن لديهم (بعض الحق) في إلزامك بما يريدون!
الله عز وجل استخلفنا في هذه الأرض لنعمرها بشرعه وهداه. فمن التزمه فهو من أهلها، ومن خالف فهم المتطفلون. بيقيني في هذا الأمر أشعر بعمق جذوري في كل أرض أحل بها ولو ذهبت إلى أمريكا أو الصين، وأشعر أني حين أصلح في مجتمعي بما يرضي الله فإنما أعيد الناس إلى الأصل، ولا أجد في ذلك أية غضاضة أو حرج.
كم منا من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه يخشى أن يتعرض للـ (بهدلة) من اللي يسوى وما يسواش، وهو (مش وجه بهدلة)... فهو ذو مكانة علمية أو اجتماعية أو ثراء، ولا يليق به أن يستهزأ به، أو يضرب أو يفقد وظيفته أو يحبس...
ما أحوجنا هنا إلى أن نتذكر قول الله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة: 120]. إذن ليس لمسلم أن يترفع عن مكابدة معاناة عاناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن نفسه أكرم من نفس رسول الله.
رسول الله أوذي في الله وشتم وضرب وأغشي عليه ورمي بالحجارة وألقي على ظهره سلا الجزور وكذب واستهزئ به وهدد وحوصر في الشعب واضطر لترك بلده وأوذيت ابنتاه وافتري على أهل بيته وجاع وعطش وتحمل المشاق، وهو أعظم البشر وأعلاهم منزلة وأكرمهم على الله، وأرهف الناس حسا وأعزهم نفسا صلى الله عليه وسلم.
فليس أحدنا أكرم نفسا ولا أرفع قدرا ولا أرهف حسا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كانت مكانته الاجتماعية والعلمية والمادية.
قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان): (ومن مكايده -أي: مكائد الشيطان- أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضى الرب تعالى في إذلالها وابتذالها كجهاد الكفار والمنافقين وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فيخيل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل وتسليط الأعداء وطعنهم فيك، فيزول جاهك فلا يقبل منك بعد ذلك ولا يسمع منك).. أي: يقول الشيطان لك: إذا أهنت فستفقد هيبتك، فينفض الناس عن دعوتك! وإنما هي مكيدة شيطانها لتعز نفسك عن مخاضات خاضها نبيك الأكرم صلى الله عليه وسلم.
قد تخاف، قد تضعف... وقد يكون لك عذر في بعض المواطن، لكن لا تقل في نفسك (أنا مش وجه بهدلة)! لا ترغب بنفسك عن نفس حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم.
إنها حقيقة مشاهدة: المحب لا يستطيع الكتمان. تراه يريد أن يبوح لصديقه، لأمه، لأخيه أو لأخته. يصطنع مع أحدهم موضوعا ليس هو هدفه ليصل منه إلى التعبير عن الحب الذي وقع في قلبه. ينتظر من صديقه أن يسأله ويستفصل ليبوح له أكثر.
يجد متعة في التعبير عن حبه... ظنا أنه ببوحه سينفس، وإذا بالمحبة تتأجج أكثر! ولأجل هذا نظمت القصائد وقال الشعر من ليس بشاعر!
ليست نقطتي هنا هل هذا الحب مشروع أم لا... هل أدى إلى زواج طاهر أم زلل... هل عليه أن يتغافل عن حبه هذا ويطفئ جذوته إن كان في غير محله أو لا يستطيع أن يحظى بما يريد... إنما هو تقرير حقيقة: أن المحب لا يستطيع الكتمان.
فكيف بالمحبة العلوية التعبدية النقية... محبة الله عز وجل؟! {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: 165].
هل يتصور أن تحب الله ثم تستطيع كتمان حبك؟! أليست الحقيقة أنه لا بد لهذا الحب أن يظهر؟ ألا يجدر بك أن تظهر هذه المحبة باستمرار وتجد متعة ولذة فائقة في إظهارها؟ عندما يطرح الحديث عن تميز المسلم بمظهره يجده بعضنا حملا ثقيلا! يجدها "ضريبة" شاقة للـ (التزام)... بينما المحب يجدها متعة هو مدفوع إليها دفعا. يستعلن بأنه يحب الله تعالى ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم.
هل يعقل أيها المسلمون ألا يستطيع الواحد التمييز بين عبد الرحمن وعبد الشيطان... لا أقصد عبد الشيطان مجازا، بل حقيقة! أقصد فرقة عباد الشياطين! أليس كلاهما يلبس آخر الموضات ويحلق آخر موضات الحلقات ويتصرف بشكل متشابه ما لم تنبش عن معتقد كل منهما؟!
أيعقل يا ابنة الإسلام ألا يمكن التفريق بينك وبين من لا تعترف بنبيك ولا بالقرآن؟! أيعقل أن يفعل المنكر أو يتكلم بمنكر أمام الناس فلا يظهر منك حبك لله وغيرتك على حرماته؟!
لا تنظر إلى الهدي الظاهر وإبداء الاعتزاز بالهوية الإسلامية على أنه (تكليف) صعب، بل هو قبل كل شيء تعبير عن محبة صادقة. فالمحب لا يستطيع الكتمان.
تظن إن غلبت حسناتك سيئاتك أنك أفلت من العقوبة؟ تظن إن رحمك الله ولم يعذبك أنك أفلت من العقوبة؟ يا مسكين! ويا مسكينة! ستأتيك فرص، الواحدة منها خير من الدنيا وما فيها:
قد كان يمكن لك أن تستغل هذه اللحظات الفارقة... قد كان يمكن لغيرتك على الدين أن تشتعل في قلبك، فتسح عيناك دمعا، وترجف شفتاك وترق قسيمات وجهك وتنساب على لسانك كلمات صادقة يكتب الله بها الإيمان في قلوب انفتحت لك للحظة صفحة بيضاء... فتقلب الغافل والمستهزئ والنافرة إلى عبد لله صالح وصالحة، ويبدأ عد أعماله في ميزان حسناتك، حتى لو لم تلق الله إلا به لرجوت رحمته.
قد كان يمكن أن تنالك هذه (الكرامة) - لكن...! اجتمعت عليك ذنوب استهنت بها... فجثمت على قلبك وأطفأت جذوتك وربطت لسانك! فخرجت منك كلمات ميتة لم تؤثر فيك فضلا عن أن تؤثر في غيرك من سامعيها! ومرت هذه اللحظة التاريخية، وفقدتها، ربما... إلى الأبد!
عندها ستفهم جيدا معنى الخذلان! استهنت بالمعاصي، وفضلت شهوات زينها الشيطان على فتوحات الرحمن، وقلت في نفسك: (سيغفر لنا... نعمل حسنات تغمرها... الله رحيم فعسى ألا تمسنا عقوبة) وما فكرت في ضياع فرص الكرامات.. وكفى بها عقوبة!
فلا تحرم نفسك... فما عند الله خير. حياة قلبك خير وأحلى من حياة الغفلات وما فيها من متاع قليل... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24].
حصل معي أن أحلم بكابوس، ثم أدرك -أثناء الحلم- أنه مجرد كابوس، فأستريح وأستمتع! لأني أقارنه بالواقع الأفضل الذي ينتظرني عند اليقظة.
جمال العيش مع القرآن أنه يجعل آلام الحياة في حسك مثل هذا الكابوس، ويجعلك تعيش واقعا جميلا منتظرا، هو واقع نهايات معركة الحق مع الباطل، وواقع الحياة الآخرة الأبدية.
تقرأ في القرآن: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] وتقرأ: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} [المجادلة: 20] فتعلم أن ذل المؤمنين وعزة الكافرين كابوس، مجرد كابوس... سيزول قريبا وتنتقل إلى الحقيقة التي يجعلك القرآن تعيش معها في لحظتك الراهنة!
تقرأ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13-14].. فتعلم أن نعيم الفجار وجحيم الأبرار كابوس، مجرد كابوس وهمي سيمر سريعا، وستصحو قريبا على واقع حقيقي أبدي سرمدي، يجعلك القرآن تعيشه الآن!
بهذا الشعور - الحقيقي - قد تتحول آلامك إلى متعة! لأنك تقارنها بالواقع المنتظر فتدرك الفرق، وتنتظر لذة الفطر بعد طول صيام. إنها لذة وطمأنينة لن تدركها أبدا إلا بالعيش مع القرآن... يوميا. ومن حرم منها في يوم من الأيام فقد حرم خيرا كثيرا، إذ سيعيش كابوس الحياة الوهمي على أنه واقع... {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
وكلما عشت مع القرآن أكثر، قراءة وتدبرا، فإن الإحساس بالحقيقة يزداد، والاهتمام بالكابوس يقل. الدنيا حلم بمعنى الكلمة... وغفلة كبيرة أن تعاملها بغير هذا ولا تدرك هذه الحقيقة إلا يوم القيامة، يوم يقال للمعرض: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].
وهذا كله لا يكسل المسلم عن أن يعمل على إصلاح الواقع ومدافعة الباطل وأهله ونصرة المستضعفين بما يستطيع، بل إنه في ذلك كله تصبره الحقيقة التي يعيشها بروحه، ويستخف بالآلام إذ يعلم أنها: مجرد كابوس، وسينجلي....
يتساءل كثير منا في هذه الأيام فيقول: (شيوخ وعلماء أجلاء كنا نسمع لهم ونثق بهم، بل وتعلمنا الدين على أيديهم، إذا بهم ينقلبون على أعقابهم ويغيرون مبادئهم بهذه السرعة المرعبة، وصرنا نرى منهم مواقف مخزية. إذا كانت الفتنة أثرت في هؤلاء فكيف حالنا نحن البشر العاديين؟) هذا السؤال لعله يخطر ببالك أنت أيضا، ولعل البعض لو أراد التعبير بصراحة أكثر فإنه سيقول: (إذا كان الله لم ينج هؤلاء الشيوخ من السقوط في الفتنة مع أنهم دعوا إليه وأمضوا حياتهم في سبيله، فلماذا ينجينا نحن وليس لنا مثل حسناتهم؟).
هذا التساؤل يا كرام يخشى أن يكون فيه سوء ظن بالله، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل" [صحيح مسلم 2877]. وهذا هو هدف مقالنا هذا: أن نحسن الظن بالله تعالى.
هؤلاء الدعاة والعلماء المذكورون منهم من يفترى عليه أنه سقط وخذل الدين وليس الأمر كذلك. لكن البعض يتلمس عيوب المتصدرين ويضخمها ليتعذر نفسه في أخطائه ومعاصيه هو، وهذا حسبه قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم. فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" [أخرجه أبو داود 4880].
والدعاة والعلماء ليسوا مستثنين من تحريم اتباع عيوبهم، خاصة إذا لم يكونوا مجاهرين بها ولم تكن تطعن في مصداقيتهم ولا تؤثر على من يتأثر بكلامهم.
في المقابل، هناك من تراه منهم يسقط بالفعل فيوالي الظالمين ويلبس الحق بالباطل. وهؤلاء هم أحد صنفين:
{فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49]. فإياك أخي أن تظن أن الله ينكس قلب عبد دون ذنب ولا سبب. هؤلاء لهم فتنة قد تكون أكبر من فتاواهم الضالة ومواقفهم المخزية: إنها الشبهة التي تقع في نفوس من ظنوهم صالحين ثم هم يرون الآن انتكاسهم فيقع في نفوسهم أن الله لم يحفظ الود لأوليائه فنكس قلوبهم ولم يعبأ بكثرة ما جرى على أيديهم من الخير!...
حاش لله! {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل النار" [صحيح البخاري 4207]. لاحظ قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما يبدو للناس".. فمظهره غرار لا يعكس ما في نفسه.
أمهلهم الله كثيرا ثم لا يتوقفون ولا يتذكرون، واستجلبوا مقته إذ يقولون للناس ما لا يفعلون، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]. تأمل هذه الآية... {وَمَا كَانَ}: يعني لا ينبغي له ذلك، ولا يليق به سبحانه.. {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}: ما يتجنبونه من أسباب الهلاك بيانا شرعيا عاما في جملة الناس، وكثيرا ما يكون أيضا بلفتات لهم وتذكير وإشارات وعبر وعظات حين يبتعدون..
فمن سقط بعد ذلك كله فالعلة فيه، والكمال المطلق في أسماء الله وصفاته، ومن أسماء الله تعالى: الودود. فالله أحفظ للود من أن ينكس قلبا صادقا مخلصا هكذا بلا ذنب! {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14]، {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90].
والله هو الشكور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه" [سنن الترمذي 2319]. تصور! قد تقول كلمة من رضوان الله، مثلا مررت بمجموعة شبان يفعلون محرما فغرت على دين الله، ونصحتهم بحرقة بكلمة بسيطة، وهذا الموقف مر عليه سنوات ونسيته، لكن الله الشكور لا ينساه، بل قد يكون كتب لك رضوانه إلى يوم تلقاه من أجل هذه الكلمات التي قلتها بإخلاص.
فما بالكم بداعية له مئات الدروس والمقالات والخطب والمحاضرات التي انتشرت في الناس؟ أيمكن أن يكون في هذا كله مخلصا صادقا متقيا لله، ثم ينكس الله قلبه هكذا بلا سبب؟ لا والله، {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 87]؟
إخواني، عشت ورأيت.. ما أعلم أحدا انتكس وسقط في الاختبارات إلا وكان له في أيام الرخاء تصرفات وسوابق سوء تنذر بخطر في المستقبل، وإلا فوالله لو كانوا صادقين لثبتهم الله عند الشدائد: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27].
فهل تصدق الله؟ أم تصدق هؤلاء؟ يا مسكين، يا من تقول نكسهم الله بعد أن دعوا إليه، أحسنت الظن بالمنتكسين، وأسأت الظن برب العالمين.!
والله لقد رأيت بنفسي من ربي لطفا وكرما ورحمة وحلما وإهمالا على تقصيري الشديد. فكيف بمن هم أعلى من ذلك مرتبة، أينكس الله قلوبهم بلا سبب؟ لا والله! لا أصدق ذلك يوما! {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147].
وها أنا أقولها لكل من يسمع: (إذا بدرت مني انتكاسة في قادم الأيام لا قدر الله، فوالله إني لأعلم من نفسي وأمراض قلبي وتقصيري ما يستوجب هذه النكسة، ولا يحول دون الانتكاسة إلا رحمة ربي. فاللهم عافنا واختم لنا بأحسن الخواتيم، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أعمالنا طرفة عين يا أرحم الراحمين).
ابن الجوزي شيخ الواعظين وعى خطورة أن تكون سببا في سوء ظن الناس بربهم بأن تجعلهم يظنون أن الله نكس قلبك وأنت تدعو إليه بصدق، فقال في صيد الخاطر كلمة عظيمة بليغة. قال: (ولقد جلست يوما فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف، ما فيهم إلا من قد رق قلبه أو دمعت عينه).
لا تستغرب أخي، فهذا الرجل تعرض للابتلاءات حتى أنه حبس في منفى خمس سنين وقد قارب الثمانين، وكان يحضر طعامه ويغسل ثيابه بنفسه، ثم خرج وعاد لوعظ الناس من جديد، وكان من الصابرين فيما نحسبه، فلا تعجبوا أن يقبل الناس عليه ويتأثر بكلامه.
نعود لكلماته... قال: (ولقد جلست يوما فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف، ما فيهم إلا من قد رق قلبه أو دمعت عينه، فقلت لنفسي كيف بك إن نجو وهلكت؟!) يعني ما حالك يابن الجوزي إذا انتفع هؤلاء بكلامك فدخلوا الجنة ثم هويت في النار لما يعلمه الله من ذنوب سترتها عن هؤلاء؟! قال: (فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي! إن قضيت علي بالعذاب غدا فلا تعلمهم بعذابي... يعني: يا رب، إن كنت ستعذبني لذنوب وأمراض قلب أستحق عليها العذاب، فلدي طلب واحد: لا تجعلهم يعلمون أنك ستعذبني بأن تختم لي بسوء مثلا، أو تري الناس رؤى سوء في).
لماذا يا ابن الجوزي؟ قال: (فلا تعلمهم بعذابي، صيانة لكرمك لا لأجلي، لئلا يقولوا: عذب من دل عليه). يعني لئلا يقول الناس: (ابن الجوزي دلنا على الله ثم الله يعذبه). خاف ابن الجوزي أن يكون سببا في سوء ظن الناس بربهم، وقد ستر الله عنهم ذنوبا وعيوبا يعلمها سبحانه ولا يعلمونها.
في الختام أخي:
محكمات الإسلام واضحة.. الحلال بين والحرام بين. واعلم أن في الأمة علماء ودعاة خيرين كثيرا، لكن لا يلمعون. دورك ودوري أن نبحث عنهم ونستفيد منهم. نسأل الله أن يهدي من ضل وأن يثبتنا على الحق إلى أن نلقاه.
جاءني تساؤل من أحد المتابعين يقول فيه: (أين ربنا عن الظلم الحاصل بغزة؟ أين النصر وتثبيت الأقدام والملائكة التي تقاتل مع المؤمنين؟ معقول يكون في النهاية اليهود على حق والمسلمون هم الظلمة؟ بالله عليك جاوبني جواب مقنع علشان قناعاتي وإيماني بكل شيء صارت مهتزة للأسف. وربنا يجزيك الخير).
هذه الرسالة إخواني أظنها تمثل عددا من الناس، وهي تبين أننا لم نفهم إسلامنا بعد! عندنا ثلاث نقاط فيها لنجيب عنها:
أولا: عندما تتساءل (أين الله عن الظلم الحاصل؟) أسألك: هل الله تعالى وعد وعدا وأخلفه؟ هل قال لك أن هذه الدنيا دار جزاء فلا بد أن ينصف فيها المظلوم من الظالم؟ ألم تقرأ سورة البروج؟ أناس آمنوا فحفر لهم الكفار الأخدود وحرقوهم أحياء حتى الموت، ومع ذلك قال الله تعالى في هؤلاء المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11].
{الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}.. فالذين يموتون على الطاعة فائزون، بل فوزا كبيرا.. أراد عدوهم صدهم عن دينهم فما استطاع، فلم يملك إلا قتلهم، فقتلوا، لكن بعد أن انتصروا عليه بكسر إرادته وتفشيل كيده.
إذا كنت لم تدرك هذه الحقائق فالخطأ في فهمك للإسلام لا في الإسلام ذاته، فعد للإسلام فافهمه، ولا تتكلم عن رب العزة وكأنه وعد فأخلف حاشاه، بل هو سبحانه القائل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
وإذا هذا كله لا يقنعك فهذه مشكلتك، أنك لا تريد التسليم بحقيقة أن هذه الدنيا دار بلاء لا دار جزاء، وأنك لا تريد التسليم بمركزية الدار الآخرة في حياة المؤمن. غريب جدا أن تكون مسلما ثم تتكلم وكأن قصص الظلم تنتهي في هذه الحياة الدنيا ثم يصير الظالم والمظلوم ترابا ولا معاد ولا حساب! أين الدار الآخرة من حساباتك؟ أين قول الله: {إِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185]؟ هل وعد الله بألا يبتلي؟ بل وعد بأن يبتلي فقال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] وقال تعالى: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4].
أهل غزة وأمثالهم من المظلومين من المسلمين في العالم يصبرهم الله وأنت هنا في مكانك تتشكك؟! هم يعانون ونرى مع ذلك رحمة الله في تثبيتهم وأنت تتفرج ولا تعاني مثلهم ومع ذلك يهتز إيمانك؟!
طيب انخلعت من إيمانك، بماذا نفعت إخوانك؟ لا شيء.. بل تصبح هما جديدا وطعنة جديدة في ظهر أمتك... بينما إذا انشغلت في مشروع تصلح به في أمتك وتضمد جراحها بالدعوة وإحياء روح العزة فإنك تنصرهم وتنصر المستضعفين ولو بعد حين.
الحمد لله هناك إخوة يتابعونني من غزة، وأطفال شاركوا في مسابقات القرآن التي عملناها من غزة. وأنا أتقرب إلى الله بتحبيب دينهم إليهم حتى يبقوا ثابتين إلى أن يلقوا ربهم راضيا عنهم بإذنه سبحانه. وأسأله سبحانه أن يعيننا على نصرهم ورفع البلاء عنهم وعن أمة الإسلام.
فيا من تهتم لإخوانك في غزة، انشغل بنفعهم ونفع المستضعفين، لا بالاعتراض على رب العالمين لأنك ما فهمت دينه ولا سلمت لحقيقة أن الدنيا دار بلاء لا دار جزاء.
ثانيا: أين النصر؟ لماذا لا ينصر المسلمون في غزة؟ ينصرون على من؟ على الصهاينة؟ الصهاينة ما هم إلا وكلاء ممثلون لأعداء المسلمين. وفي كل صراع بين المسلمين وأعدائهم فهو صراع مع قوى الكفر كافة، والتي وإن تفرقت واختلفت إلا أنها تجتمع على حرب المسلمين بشكل مباشر أو غير مباشر. وهكذا حرب لا تنوب فيها غزة ولا غير غزة عن الأمة المسلمة.
طيب يعني يدفع أهل غزة الثمن عن تخاذل المسلمين؟ وأين {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [فاطر: 18]؟ بل نقول: من مات من أهل غزة على الإيمان فإن الله اصطفاه {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. المؤمن الذي يقتل في سبيل الله ينال أجره كاملا وافيا غير منقوص، بل ويكرمه الله ويتفضل عليه.
لكن باقي الأمة لم تتأهل للنصر حتى تجازى به. الأمة لم تتعامل مع حقيقة أنها في حرب إيمان وكفر بعد حتى تستحق النصر. النصر له أسباب، ونحن كمسلمين لم نعط هذه الأسباب حقها بعد. وإن كان المسلمون يتعذرون بأن الأمر ليس بيدهم وبأن المتسلطين عليهم المتحكمين ببلادهم لا يخافون الله، فإن هؤلاء ما سلطوا إلا بذنوب العباد {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].
فمن قتل على الإيمان، ومن قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، دون تخليط في هذا المقصد... هذا موعود من الله بأجر الشهداء. أما الأمة فلم تتأهل للنصر بعد. بل وكثير ممن يقول (أين نصر الله؟) تراه هو نفسه عونا لأعداء الإسلام، يعني الظالمين وينافقهم طمعا في المال والجاه.. يهمل تربية أولاده فينشأون بلا عقيدة ولا عزة ولا نخوة ويصبحون أدوات بيد أعداء الإسلام، لا يتقن عمله فيزيد المسلمين فقرا وجهلا.
ثم بعد ذلك يقول: (أين نصر الله؟!) عجيب والله! كم قلت أمراض البلاد وأنت من أمراضها والشؤم علتها فهل فتشت عن أعراضها يا من حملت الفأس يهدمها على أنقاضها اقعد فما أنت الذي يسعى إلى إنهاضها وانظر بعينيك الذئاب تعب في أحواضها
قد تقول: (طيب مهما كان عندنا من تقصير، يعني نحن شر حالا من الصهاينة ولهذا ينتصرون علينا؟). سأسألك سؤالا: لما ضاع النصر في معركة أحد وتمكن المشركون من أذية جيش النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، هل يعني هذا أن المشركين كانوا أفضل من رسول الله والصحابة؟ أعوذ بالله.
طيب لماذا لم ينصرهم الله؟ لأن النصر له أسباب، وبعض الصحابة خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم
كنت قديما مولعا بالموسيقى، ثم اقتنعت بالأدلة أنها محرمة، فتركتها على حبي لها.
فشاء الله أن يشغلني بما هو خير منها: وهو دراسة السيرة النبوية من خلال البحث عن أحاديث تصف أخلاق النبي ﷺ وتواضعه وقربه من أصحابه وحسن عشرته لأهله وملاعبته للأطفال، كل هذا بتلقائية ودون تكلف.
يوما من الأيام، وأنا أجهز خطبة في الموضوع وأنقر على لوحة مفاتيح الكمبيوتر لأستخرج كنوز السيرة، تذكرت نقري بطريقة مشابهة على آلة موسيقية.
لكن شتان شتان! أيام الموسيقى كنت أستمتع وأنا أنقر، لكن ما أن أنتهي حتى أحس بالخواء الروحي واللاجدوى! ثم عندما دخلت عالم الدعوة والحديث عن رب العزة وكتابه ونبيه ﷺ أصبحت المتعة الروحية متنامية والقلب ممتلئا بما ينفع على مدار الساعة، وأصبح (النقر) يبني في كياني طمأنينة واتصالا بالله تعالى.
عن مثل هذا الشعور يعبر المفسر الزمخشري - ونسبت إلى غيره - إذ قال:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي * من وصل غانية وطيب عناق وتمايلي طربا لحل عويصة * أشهى وأحلى من مدامة ساقي وصرير أقلامي على أوراقها * أحلى من الدوكاء والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفها * نقري لألقي الرمل عن أوراقي يا من يحاول بالأماني رتبتي * كم بين مشتغل وآخر راقي أأبيت سهران الدجى وتبيته * نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي
لسنا أقل تقديرا للجمال، ولا فقراء الشعور، وعندنا من الإحساس المرهف ما عند المنقادين لعواطفهم وزيادة، غير أن في قلوبنا كنزا هو أعظم مما يجدون، ولذة أسمى مما عنها يبحثون، إنها محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه ورؤية وجهه راضيا عنا بما تركنا لأجله..
رأينا أن لذة تأمل جمال لا يحل لنا تزاحم لذتنا هذه، وعلمنا أن الله تعالى يغار أن يجتمع الأنس به في قلب واحد مع الأنس بالمحرمات، فكان لا بد من الاختيار.. وما كنا لنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا لنحزن على نظرة محرمة فاتتنا أو موقف مزلة لم نسترسل فيه.. فإنما هي قرابين قدمناها ليبقى رضا المحبوب الأعظم سبحانه وتعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [طه: 131].
نحو ثري يرجو منه رضاه نحو الناس يرائيهم بأعماله نحو ما لا يحل له من النساء يتعلق قلبه بهن نحو صاحب سلطان ينافقه
وحتى وهو في صلاته فوجهه قلبه منصرف، لم يخف أن يكون ممن وصف الله: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127].
كيف حاله يوم القيامة حين يدرك أنه طوال حياته وجه وجهه الوجهة الخاطئة بدل أن يوجهه لمن يقف الآن أمامه سبحانه وتعالى؟!: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام: 62]، {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 30].
هنا يتمنى لو أنه قال كما قال إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا} [الأنعام: 79].
لذا، لا تعجب من قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50]. فإنهم وجهوا وجوههم هذه لمن لا يستحق، وأدبروا عن دين الله وهداه، فحق لهذه الوجوه والأدبار أن تضرب! {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30].
المؤمن لا يخاف إلا الله. هل معنى ذلك أنه لا يخاف من بطش الظلمة أو من الأعداء في حالة الحرب مثلا أو من الحيوانات المفترسة؟ بلى، هذا كله خوف طبعي فطري لا ينافي الإيمان، وقد حصل حتى من الأنبياء عليهم السلام، كما مع موسى عليه الصلاة والسلام: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 21]، {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} [القصص: 33].
وإنما يتعارض خوفك مع الإيمان في حالتين:
وهذا منهي عنه، قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]. يعني يخوفكم أيها المؤمنون من أوليائه. فما هذا إلا وسوسة شيطان حق لكم ألا تلتفتوا إليها.
فلا يمنعك خوف أحد من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتبلغ رسالات ربك بحسب وسعك وطاقتك: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39].
إذا أردت أن تهتدي إلى الحق في زمن الاختلاف... فتحرر من نظرتك لنفسك ودينك وتاريخك بعيون النظام الدولي المتغلب... واستعل على ضغط الواقع الأليم...
وأيقن فيها أن لك ربا قاهرا فوق عباده، له مقاليد السماوات والأرض، خلق الناس ليبلوهم ولا يحصل ما يحصل إلا بإذنه، ثم إليه إياب الناس جميعا وعليه حسابهم...
وأن دينه هو الحق المطلق، دون حاجة إلى الروغان حول نصوصه بدافع الهزيمة النفسية...
فهذا كفيل بإذن الله بأن يجعل عزة الإسلام تدب في أوصالك.. وبأن تستقبل كلام الله ورسوله بتسليم ومحبة لا تجد في صدرك من شيء منه حرجا.. وتهتدي إلى مراد الله منك في بحر الحيرة والاختلاف.. {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101].
الذي يعيش بمشاعر ومعايير لا تتفق مع إملاءات الواقع يسميه البعض منفصما عن الواقع. أنا شخصيا أعتبر هذا الانفصام نعمة من نعم الله الكبرى علي وعلى أي مسلم يرزق هذه النعمة!
تنظر في الواقع: هناك أناس يستطيعون أن يقيدوا حريتك وقت شاؤوا، يستطيعون أن يتعقبوا أبواب رزقك، يريدون أن يسدوها عليك لتخضع لهم!... هم أكثر عددا وقوة منك... يحيطون بك بحيث يظهر أن لا بادرة أمل يمكن أن تنفذ إليك من بينهم!
هذا هو الواقع المرير... وحسب هذا الواقع، فمن أين تأتيك السعادة؟ ومن أين يأتيك الرزق؟
لكن تعود فتتذكر أن هذا (الواقع) هو في الحقيقة (ظاهر من الحياة الدنيا)، زيف لا قيمة له، غلاف خارجي يغتر به غير المؤمن... تعود فتتصل بالحقيقة... أنه {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2]، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].
وإن كانوا يشاؤون لك أمرا، فإنهم ما يشاؤون إلا أن يشاء الله.. وإن كانوا يحيطونك من كل جانب فالله (من ورائهم محيط).. تعود فتتذكر ما ربانا عليه نبينا ﷺ: أن الناس لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
تعود فتتذكر أن الله إن شاء قذف السعادة في قلبك وأنت في قعر سجنك، وإن شاء ابتلاك بالاكتئاب ونقص الدافعية وأنت في قصر مشيد وأسباب الرفاه كلها حولك!
تتذكر أن الله تعالى إن شاء هدى لك زوجتك وأولادك في لحظة، وجعلهم قرة عين لك، بارين، أصحاب خلق ودين.. وأن الدنيا كلها لا تملك لك هذا، ولا تملك أن تمنعه إن شاءه ربك عز وجل..
وإن شاء جعل زوجتك وأولادك وأموالك عذابا لك وتنغيصا لعيشك، وأن الدنيا كلها لا تملك كشف ذلك عنك..
حينئذ، يصبح شعورك ومواقفك محكومة بهذه الحقائق الكبرى، لا بزيف الدنيا، ويصبح السؤال: (فمن أين يأتيني الغم إذن)؟ و(كيف لا أرزق إذن)؟!
فما أجمله من انفصام عن واقع مزيف، واتصال بحقائق راسخة! ليست دعوة لتعطيل الأخذ بالأسباب، ولكن دعوة لبقاء روحك عالية لا تنكسر، ونفسك مطمئنة لا تخاف إلا الله، ولا ترجو سواه. فاللهم أدم علينا نعمة هذا الانفصام واجعلنا من الشاكرين.
يتسرب لقلب الإنسان أحيانا نوع من الشرك بأن يشرك مع ربه سبحانه أشياء يرجو نفعها أو يخاف ضرها أو يظن لها تصرفا في الكون مع الله تعالى، أو يظنها خارجة عن قهره سبحانه وسلطانه.
وقد تسرب لقلوب كثير من المسلمين هذه الأيام أنه: (لن ننتصر ما دام هناك طائرات لدى أعدائنا! فهي قادرة على حسم أية معركة، والقضاء على أي انتصار)!
انتبه!: لو أن هذا التفكير يدفع المسلمين إلى الأخذ بالأسباب المادية للنصر مع التوكل التام واليقين المطلق فإن الأخذ بالأسباب مطلوب، بل واجب، وليس لنا أن نتوقع النصر دونه.
لكني أتكلم هنا عن (استسلام) نفسي وشك في قدرة الله تعالى...
هنا، ذكر نفسك بقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 44]، وبقوله تعالى: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [العنكبوت: 22].
فإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه بطريقة لطيفة. كما يرزق الإنسان من حيث لا يحتسب فإنه يهزم عدونا وينصرنا - إذا أخذنا بالأسباب - من حيث لا نحتسب: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2].
{قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26].
يروى أنه قيل لعمر المختار: (إيطاليا تملك طائرات ونحن لا نملكها)، فقال: (هل تحلق فوق العرش أم تحته؟) قالوا: (تحته!) فقال: (من فوق العرش معنا، فلا يخيفنا من تحته).
صحيح أن المختار قتل في النهاية، لكن من كان بهذه العقيدة فقتله شهادة (فوز) بإذن الله، وقد انسحبت إيطاليا بجهاده وجهاد إخوانه. لم يؤد جهادهم إلى قيام دولة إسلامية عزيزة، نعم... أخرها الله لحكمة، وقد وضعوا لبنة في صرح الإسلام قبل أن يرحلوا، ولا بد لهذا الصرح أن يتم.
ختاما، الله تعالى كلفنا بتكليف وضمن لنا عليه ضمانا، فلننشغل بالتكليف، لا بالضمان: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7]. فاستغفر من فوق العرش من لحظات عظمت فيها طائرات، مهما علت، فإنها تبقى تحلق... تحت العرش.
معنى مهم لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. هذه الآية الكريمة يستدل بها البعض لتبرير التهاون في أمر الله تعالى.
بينما من معانيها: أن الله تعالى لم يكلفك أيها المسلم بأمر إلا وهو يعلم أنه بمقدورك فعله، فلا تتعذر بعدم القدرة: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]. لم يكلفك أيها الشاب بحفظ عفتك والانضباط في التعامل إلا وهو تعالى يعلم أنك تستطيع ذلك إن استعنت به سبحانه، وما شرع لك ذلك إلا وهو يعلم ما سيكون من فتن.
لم يكلفك أيتها الفتاة التي لم ترزقي بزوج، لم يكلفك بضبط سلوكك وإعفاف نفسك إلا وهو يعلم أن ذلك بوسعك. في بعض التكاليف مشقة، لكن: "ومن يتصبر يصبره الله". (صحيح البخاري 1469)، ويهده ويصلح باله.
إذن، ليس لنا أن نعذر أنفسنا ونتملص من تكاليف بإمكاننا القيام بها وقد علمنا أنه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
أنت عزيز بإيمانك... لا تسمح لهم أن ينسوك هذه الحقيقة... حتى وإن وضعوا القيد في يديك والعصائب على عينيك. مهما شتموك وسخروا منك ونالوا من جسدك.
إياك أن تدع هذا يؤثر على نظرتك لنفسك ونظرتك لهم! كيف تحس بالمهانة وأنت في كنف الله؟! {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. كيف تقيم لهم وزنا وقد أخزاهم الله؟! {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [الحج: 18]. كيف تستغلي الثمن والسلعة الجنة؟!
موازينهم زائفة زيف الدنيا التي لا تزن عند الله جناح بعوضة. ويوم القيامة يرى الجميع الميزان الحقيقي: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] فما فائدة إيمانك إن لم تر هذا الميزان في الدنيا أيضا بنور الإيمان؟!
وما أحسن ما قاله أخ حبيب: حقق (لا إله إلا الله) في قلبك، وتأكد من رسوخها فيه، ثم انظر حولك.. فسترى كل الأشياء حينها بحجمها الطبيعي!.
{وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9]. قالها إخوة يوسف عليه السلام وهم يهمون بالقيام بالظلم.
لسان حالهم: (نحن نحب الصلاح. لكن لا نستطيع الاستقامة على أمر الله والتزام شريعته في حق أخينا على هذا الحال من اختصاص أبينا له بالمحبة. فلنظلم مرة، ليتم لنا ما أردنا، فتهدأ نفسياتنا بعدها، ونتفرغ لصلاح يمحو آثار سيئة الظلم).
وهذا (منطق) بعضنا أيضا! وهو يهم بعمل ظالم.. قد يكون هذا العمل الظالم مثلا وشاية بزميل لك في العمل، لتصعد على ظهره وتنال الوظيفة الإدارية التي تحلم بها.. قد يكون هذا العمل الظالم غشا ومنافسة تجارية غير شريفة لـ (تثبت نفسك في السوق).. قد يكون غشا في الاختبارات لـ (تنجح) في المواد وتحصل على الشهادة الجامعية..
قد يكون ظلما لمسلمين في ساحة من ساحات العمل لتزداد قوة جماعتك وتتسع رقعتها فتسخر هذا كله من بعدها لخدمة الإسلام!.. لسان حال هؤلاء جميعا: (أحب الصلاح وأكره الظلم، لكن نفسيتي لن تهدأ وتستقر على الوضع الحالي. إذا بلغت المكانة التي أحلم بها فسوف تستريح نفسيتي وتنطلق طاقاتي وينشرح صدري، فأقوم بعدها بأعمال من الخير تغمر هذا الظلم، ويكون صفحة طويت... معلش يا رب... هذه المرة وبس)!!
إنها خدعة من النفس الأمارة بالسوء، تقمع بها نداء النفس اللوامة التي تحذرك من الظلم. ومن تعود على قمع داعي الخير في نفسه وتحجيمه، فقد يتحجم بالفعل، وتتضخم على حسابه القدرة على تبرير الظلم... وأنى له بعد ذلك أن يكون من القوم الصالحين؟!
أحيانا ونحن نخدم دين الله عز وجل قد يصيبنا الإحساس بأننا نقوم بمهمة عظيمة لا يقوم بها غيرنا في حينا أو مكان عملنا أو بلدنا. لذا فإننا قد نحس بأننا لن نضل بذنوبنا، ولن نمنع من أداء دورنا ولن نموت قبل إتمام هذه المهمة لأن هذا كله سيحرم الآخرين من خيرنا.
أي أننا نحس بأن الناس بحاجة إلينا، بل وأن الإسلام بحاجة إلينا كذلك. هذا الشعور إيجابي محمود بقدر ما يدفعنا إلى تحمل المسؤولية بحيث لا نركن إلى الدنيا ونترك دورنا الدعوي النافع للبشرية... شعور مفيد بقدر ما نرتفع به عن الفتن التي يراد لنا الانجرار خلفها، متذكرين قول القائل: لقد ذخرت لأمر لو فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل!
لكن هذا الشعور يصبح خطيرا أحيانا! يصبح خطيرا إذا دفعنا إلى التفريط في أمر الله تعالى واستصغار معاصينا مطمئنين إلى أن الله لن يعاقبنا على ذلك بإزاغة قلوبنا أو بوقف باب الخير الذي نحن قائم
عليه. [هناك سقط واضح في النص هنا يربط بين الفقرتين، والجملة تبدأ بـ] الجرأة ليحاول إهمالها
وكان هذا (المدمن) ناله نصيب من قوله تعالى: "استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله" [المجادلة: 19]. إنه استحواذ بحيث يتملك الشيطان العبد مقابل لا شيء! ولا حتى مقابل متاع الدنيا الرخيص! والذي يبقي العبد في هذا الاستحواذ البائس: "فانساهم ذكر الله". كأن العبد نسي أن له ربا بإمكانه أن يستعين به ليخلصه مما هو فيه.
أيها المدمن الحزين! ألم تر أن الشيطان ما مكن أن يأتيك إلا من أربع جهات: "قال فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لاتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين" [الأعراف: 16 - 17]. ولم يمكن أن يأتيك من فوقك فيحول بينك وبين رحمة الله تعالى. فهلا رفعت رأسك وقلت: (يا رب)؟! فإنه: "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" [فاطر: 2].
ونحن نخوض معركة الفتن في حياتنا قد نلين أمام بعضها ونتنازل فيها ونقول في أنفسنا: (لهون وبس.. أنا في هذه مقصر مذنب، لكني لن أقع في فتنة أكبر)، وقد نقصد بالفتنة الأكبر الوقوع في الكبائر أو الأعمال الشركية... فنرى أننا في مأمن ما دمنا لم نخترق هذه الخطوط الحمراء.
ننسى في هذا كله أن هذه الفتن هي اختبارات تهيئ للاختبارات الأكبر، وأن الذي يرسب فيها يستجلب البقع أو النكت السوداء على قلبه، والتي تقلل - تدريجيا - من بشاعة الفتنة الكبيرة في حسه، وتضعف إيمانه فلا يعود يثبت أمام بريق هذه الفتن.
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن زاد زيد فيها حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" [المطففين: 14].
حري بكل من سارع إلى فتنة أن يسأل نفسه: ما الاختبارات التي رسب فيها من قبل حتى طاش عقله في هذا الاختبار الأكبر من سابقاته؟
عند تعرضك لفتنة النساء، فتنة المال، فتنة المنصب، فتنة الجاه... وتغريك نفسك في ذلك بشيء من التنازل، إياك أن تخدع نفسك وتقول: (سألين في هذه وأصمد أمام ما هو أكبر).. فإنما هي حينئذ نكت سوداء تنكت في قلبك حتى تذهب بوقار الإيمان ويطيش عقلك أمام بريق الفتن العظمى وتسرع إليها وأنت لا تشعر.
أيها المجامل على حساب دينك.. يا من أكبر همك ألا يتهمك البعض بالتعصب، ولو كانوا على باطل.. اعلم أنه لا شعور أجمل ولا أعظم في الحياة من أن تحس بمحبة ربك وتعظيمه والغضب له والغيرة على دينه.. فأنت بذلك تنسجم مع الغاية من خلقك.. وتحس بقيمتك واحترام نفسك على قدر تحقيق هذه الغاية.. لا تحرم نفسك من هذا المقام من أجل هاجس (ماذا سيقول الناس)!
أنت عائد إلى ربك، آتيه وحيدا عاريا بلا نصير.. وهؤلاء كلهم لن ينفعوك.. "يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم" [الشعراء: 88 - 89].
قلب سليم من تقديم رضا الناس على رضا الله.. قلب حي يغضب لله، يعظم الله، يحب الله. "والله ورسوله احق ان يرضوه ان كانوا مؤمنين" [التوبة: 62].
نعلم جميعا أن الشيطان يزين المحرمات، لكن ما لا نتذكره بنفس الدرجة هو أنه أيضا يقبح لنا الطاعات والمباحات. ويمكن فهم ذلك من عموم ما حكاه القرآن من قول الشيطان: "لاقعدن لهم صراطك المستقيم" [الأعراف: 16] ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه" وذكر النبي بعد ذلك طريق الإسلام وطرق الطاعات.
استحضار ذلك يساعد على فهم بعض الظواهر المزعجة. فمثلا، تكثر شكاوى العاقدين على فتيات والمقبلين على الزواج منهن أنهم فقدوا الانجذاب نحوهن. قد يكون لهذا تفسير نفسي، لكن يحسن أيضا استحضار حقيقة أن الشيطان الذي يزين للشاب العلاقات المحرمة يقبح له في الوقت ذاته العلاقة المباحة الطاهرة.
وقد ينفر الرجل عن زوجته مع أنها على قدر من الجمال بينما يزين له الشيطان التفريط في التعامل مع امرأة لا تحل له في محيط العمل مثلا. علينا أن نتذكر أن الطاعات والمباحات هي في حقيقتها جميلة، فالله تعالى وصفها بالطيبات: "ويحل لهم الطيبات" [الأعراف: 157] فإذا رأيناها منفرة فمن أسباب ذلك تقبيح الشيطان لها، بينما المعاصي والمحرمات - كالعلاقات غير المباحة - هي في ذاتها قبيحة: "ويحرم عليهم الخبائث" [الأعراف: 157]. فإن رأيناها جميلة فهذا من الشيطان.
إدراك هذا يساعدنا في تكييف شعورنا حسب الحقائق، وأن ننفض عنها غبار الشيطان.
بعيدا عن حكم النقاب ودون أي تقليل من التقدير للأخوات اللواتي التزمن بالحجاب الشرعي الصحيح فيما عدا النقاب، أجد نفسي مندفعا لأن أقول: تحية لك أيتها المنتقبة... وأخص المنتقبة التي توافق أعمالها مظهرها فتطيع الله في سلوكها وطهارة قلبها وحسن خلقها.
تحية لك يا رمزا للحياء والبراءة، تحية لك يا من تذكرين الناس بالله من خلال مظهرك الذي هو بحد ذاته دعوة في زمن الغفلة، تحية لك وأنت ترين الإعلام الفاسد يحاول تشويه النقاب، وأنت مع هذا كله تصبرين...
تحية لك وأنت ترين عمائم السوء تخذل عن النقاب، ويشتدون عليك ما لا يشتدونه على شديدات التبرج، فتعرضين عنهم وتصبرين...
تحية لك وأنت ترين الفتيات من حولك يحرصن على الزينة والتحايل على الحجاب ويلفتن الأنظار... فتخفين الجمال البريء وتصبرين...
تحية لك وأنت تسيرين في الجامعة أو في المجتمع وحدك قد انفض عنك كثير من قريناتك، ولسان حالك يقول: (كفى بالله مؤنسا)، وتصبرين...
تحية لك وأنت تسمعين بهذه الدولة أو هذه المؤسسة أو تلك تمنع النقاب بينما يحرضون على التبرج، ومع ذلك تصبرين...
تحية لك وأنت تصمدين أمام هذه الهجمة الشرسة ضعيفة ببدنك، لكن إيمانك كالجبل الشامخ...
تحية لك يا سيدتي... واعلمي أن أمثالي يتعلمون منك الصبر والقوة والثبات والأنس بالله، وقد أوصلت من الرسائل بمظهرك ما يعجز قلم وفم أمثالي أن يوصله.
تحية لك مني ومن آلاف من إخواني وأخواتي الذين أظنهم يشاركونني الشعور تجاهك، شعور الإجلال والمودة في الله... وإن قست عليك الأقلام المسمومة، والشاشات المحمومة، وعمائم السوء المذمومة ورموك عن قوس واحدة، فنحن جميعا إخوتك ونسأل الله أن يتم على نسائنا وبناتنا وأخواتنا مثلما أتم عليك. تحية لك أيتها المنتقبة.
عندما تبرر إطلاق بصرك وتقول: (يا أخي أنا بشر من لحم ودم ونوازع.. الفتنة شديدة تحرك الحجر.. مش قادر أصبر! الفتن فوق طاقتي!) أما كان الله عز وجل يعلم هذا إذ قال: "قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم ان الله خبير بما يصنعون" [النور: 30] ؟! "قل اانتم اعلم ام الله" [البقرة: 140]. ألا يعلم الله تركيبتك الغريزية وقوة نوازعك؟ "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [الملك: 14].
أخي الحبيب.. عندما تبرر لنفسك إطلاق بصرك بمثل هذه العبارات فكأنك تقول: (الله أمرني بما لا أستطيع)!.. فهل هذا يناسب حكمة الله وعدله ورحمته؟ أليس هذا التبرير أسوأ من معصية النظر إلى المحرمات لأنه ينافي الإيمان بحكمة الله ورحمته؟
هذا النبي الشاب يوسف عليه السلام اجتمعت عليه كل أسباب الفتنة، إلا أنه قال: "رب السجن احب إلي مما يدعونني إليه" [يوسف: 33].
في سورة النساء، وبعد أن بين الله تعالى بعض أحكام العلاقة بين الذكور والإناث، انظر ماذا قال سبحانه، وتأمل الآيات كلمة كلمة: "يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما * يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا" [النساء: 26 - 28]. إذن لأنه سبحانه يعلم أنك ضعيف، شرع لك هذه الشرائع التي تبدو قيودا، لكنها في حقيقتها تخفيف وتحرر من أغلال الشهوة ونزغات الشيطان، شرعها لك سبحانه عن علم وحكمة ورحمة.
لا حد ولا قيد على الأخبار والصور والمقاطع التي تؤذي نفسيتك... ينقل لنا الإعلام العالمي ما يكرس الغم والحزن من صور ومقاطع للتنكيل بالمسلمين، بينما لا يسمح إعلامهم بعرض صور فظيعة لقتالهم.
كثير من هذه الصور المؤلمة ليست (تسريبات)، بل عمل ممنهج لإيذاء معنوياتك أيها المسلم وجعلك تعيش حزنا سلبيا مستمرا. يريدون لك أن تحس بانعدام قيمتك، وقيمة إخوتك المسلمين مثلك، وقيمة كل متعلقاتكم، بل وقيمة الإسلام الذي يجمعكم! يريدون لك أن تكره نفسك وتصاب بتجمد التفكير وشلل الإرادة! يريدون لك ذلك كله حتى تسهل السيطرة عليك...
يروي لنا التاريخ أن التتار في بداية اجتياحهم للعالم الإسلامي فعلوا الأفاعيل في بخارى وسمرقند المسلمتين، فدب الرعب في قلوب باقي المسلمين، حتى أن جنكيزخان أرسل فرقة من عشرين ألف جندي، جعلت تتجول بين ملايين المسلمين في شرقي المملكة الخوارزمية العملاقة، تقتل وتنهب، ولا أحد يجرؤ على مواجهتها! إياك أن تنكسر! إياك أن تكبل روحك بقيودهم ثم تسلمهم المفتاح!
حول هذه المشاعر إلى عمل، وكف عن جلد نفسك وجلد المسلمين معك! "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" [البقرة: 286]. ...فانظر ما بوسعك واعمله ولا تفرط في شيء منه، وحينئذ سيستعملك الله فيما هو أعلى "والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم" [محمد: 17].
لا تخف منهم، فإنما هم ابتلاء: "ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض" [محمد: 4]... يرى الله من منا يصبر ليجزيه الخلود في النعيم المقيم: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون وكان ربك بصيرا" [الفرقان: 20]. ولا يعجزه سبحانه أن ينصرنا عليهم إن نصرنا دينه بكل ما نستطيع. "ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين" [آل عمران: 139].
هل ترى هؤلاء الذين يتصرفون كالمسعورين؟ كأن بينهم وبين الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ثأرا؟! أتراهم وهم يحاربون العلماء والدعاة ثم يفتحون بلاد المسلمين لكل غراب ناعق، وكل قلم عدو للإسلام، وكل احتفال تافه. يستوردون كل جاهلية من الشرق أو الغرب. لا يهم أصلها وشكلها وتكلفتها... المهم أن تكون جاهلية يستخدمونها ليلوثوا بها فطر الشباب ويميعوا شخصياتهم ويطمسوا هويتهم وينسوهم دينهم...
يسارعون في حربهم على الإسلام، يوما بيوم، ساعة بساعة... كأنهم يقولون: يا محمد، سنطمس معالم دينك ونرد الناس كفارا به! أترى هؤلاء؟ لا يغررك تقلبهم في البلاد... فلو أن رجلا نفخ من مكانه على نور الشمس ليطفئه لعلمت أنه أحمق، وهؤلاء "يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم" [الصف: 8]!
سيهلكون ويهلك مكرهم، ولن يكونوا إلا صفحة في كتاب كبير عنوانه: "فاتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم احاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون" [المؤمنون: 44]... ها هم ينزلقون، يوشكون أن يذهبوا لمزابل التاريخ... ويسحبون الناس من أرجلهم لينزلقوا معهم. المهم أن تحذر فلا يسحبوك! قد يجرحونك بأظافرهم ويؤلمونك... اصبر فإنهم هالكون، (والعاقبة للمتقين)...
فاصبر، ولا تبتئس، "وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم انا عاملون * وانتظروا انا منتظرون * ولله غيب السماوات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون" [هود: 121 - 123].
ونحن نرى معاناة المسلمين في البلدان المنكوبة قد نغفل عن حكمة عظيمة من حكم الله تعالى في تطويل البلاء، وهي أنه سبحانه يبتلي عباده بما يستخرج منهم عبودية التذلل لخالقهم والانكسار له سبحانه، ويشعرهم بضعفهم وانعدام حيلتهم، ويؤدبهم ويربيهم ويرقق قلوبهم، كل ذلك قبل أن ينصرهم. فيخرجون من المحنة إلى النصر أقوياء، لكن رحماء. عزيزين، لكن متواضعين... أشداء في الحق، لكن لينين. فلا يغترون بأنفسهم، ولا ينسون نعمة الله عليهم، ولا يظلمون الناس ولا يتجبرون في الأرض وهم في نشوة الانتصار.
زلزل الله قلوب المؤمنين في غزوة الأحزاب، وكان ذلك جزءا من النعمة: قال الله تعالى: "يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا" [الأحزاب: 9 - 11].
وعلى قدر هذه الزلزلة كان الانكسار وواللجوء من المؤمنين إلى ربهم، وعلى قدر هذا الانكسار واللجوء جاءت التنجية والإعزاز: "ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا" [الأحزاب: 25].
وكذلك يوم بدر كانوا قليلي العدد قليلي العدة، قد عانى المهاجرون الاضطهاد والتعذيب واضطروا لترك الديار والأهل واللجوء إلى المدينة. فكانوا بهذا الوصف أذلة، وإن كانوا في نفوسهم أعزة: فنصرهم الله بعد هذه الذلة. "ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" [آل عمران: 123].
بينما يوم حنين اغتر المسلمون بالكثرة وأخذتهم نشوة العدد والعدة، فلم تغن عنهم شيئا، "ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا" [التوبة: 25]. فتعرضوا للخسارة في البداية إلى أن اجتمع حول النبي صلى الله عليه وسلم عدد قليل ذاقوا مرارة أن يكلهم الله إلى حولهم وقوتهم، فتبرأوا منها وعلموا أن لا معز لهم إلا الله، فنصرهم الله على قلتهم.
إذن فتطويل البلاء على المسلمين له حكمه هذه منها، أن يذلوا ويخضعوا لله، حتى إذا أعزهم ونصرهم وجبرهم تذكروا ما كانوا عليه من ضعف، فلا ينسون فضل الله فيهلكوا، ولا يتجبرون ولا يطغون، بل ينسبون الفضل لله تعالى، ويتقون الله في الشعوب التي يتغلبون عليها بعد ذلك.
طيب وماذا عن الذين يموتون قبل أن تأتي لحظة النصر المرتقبة هذه؟ هؤلاء عندما ثبتوا واستقاموا وتذللوا لخالقهم وظهرت عبوديتهم لله سبحانه خالصة أدوا ما عليهم ونالوا ما تأخر عن نيله من بقي من بعدهم. ألا ترى أن الله تعالى قال في قصة الأحزاب نفسها: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" [الأحزاب: 23]. فهؤلاء الذين لم يدركوا لحظة النصر لكن ماتوا ثابتين قد رحلوا مختومة أعمالهم برضوان الله فنالوا ما لم ينله أولئك الذين ينتظرون كرامة كهذه ممن أدرك لحظة النصر لكن لا يدري بماذا يختم له. نسأل الله أن يعز المسلمين ويجبرهم بعد كسرهم وذلتهم ويرحم من قضى منهم.
من أسوأ ما تعود نفسك عليه أن تستمد الطمأنينة إلى أنك (على الحق) من كثرة الموافقين. فأكثر من يوافقك اليوم إن أقررته على حقه يعاديك غدا إن خالفته في باطله، حتى وإن كنت في الحالين محقا. ومن أحسن ما توطن نفسك عليه ألا تستمد الطمأنينة إلى أنك (على الحق) إلا من اللجوء إلى الله أن يهديك إليه والاجتهاد في البحث عنه بتجرد، ثم تحسين عرضه للناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم تقطع النظر عن موافقتهم لك أو مخالفتهم. فإنك إن فعلت فإن طمأنينة الحق ألذ لك من نشوات مدح الموافقين. ولا يقدح في بركة دعوتك بعدها أن يقل الموافقون.
المؤثرون في التاريخ كانوا يخافون أن تحول ذنوبهم دون استعمال الله لهم في نصر الدين.. وليس كمن يصيبهم العجب والغرور بما قدموه وكأنهم يمنون على الله لأنهم خدموا دينه!... نور الدين محمود زنكي سجد عند تلة حارم يستنصر الله وقال: "اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودا (يعني نفسه) من هو محمود الكلب حتى ينصر" (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية).. فنصره الله وقمع به شر الصليبيين في مواطن كثيرة.
والدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله يحدث عن إحدى رحلاته الدعوية كيف دعا الله قائلا: (يا رب لا تخذل هذا الدين بسبب أخطاء أنا ارتكبتها) فكان فتحا عظيما وأسلم من دعاهم. والله سبحانه لا يخذل دينه.. لكن محل الشاهد أن هناك معنى راقيا جدا نحتاجه جميعا: أن نخشى من أن تكون ذنوبنا سببا في حرماننا من استعمال الله لنا في خدمة دينه سبحانه..
خدمة دين الله ليست منة تمتن بها على أحد، بل شرف تخاف أن يحرمك الله منه بذنوبك.. تأمل معي قول الله تعالى في سورة آل عمران: "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين" [آل عمران: 146]. انظر إلى هذه الصفات العظيمة! مؤمنون بالأنبياء، مقاتلون معهم صابرون بلا وهن ولا ضعف ولا استكانة.. ومع ذلك: "وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في امرنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" [آل عمران: 147] استكانة وخضوع لله تعالى وطلب أن يغفر لهم ذنوبهم.. ولسان حالهم: يا ربنا لا تحرمنا من شرف خدمة دينك بذنوبنا.. فماذا كانت النتيجة؟: "فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين" [آل عمران: 148].
أيها الشباب، أيها الفتيات، حافظوا على نقائكم رجاء! لا تغتروا بكلمة: (أتوب فيما بعد والله يقبل)! حتى وإن أدركتم التوبة وتبتم، هناك مرارة للذنب قد لا تنمحي.. فالتوبة، حتى وإن خلصتك من العقوبة الأخروية، ليس شرطا أن تمحو الآثار الأليمة الدنيوية، في نفسك أو فيمن حولك ممن آذيتهم بذنبك.. أقول هذا لما أعلمه من حال البعض... تصاب زوجته العفيفة (أو زوجها العفيف) بمرض من الأمراض الجنسية المنتشرة بين المنحرفين، بما يفاجئه ويفاجئها! ويكون السبب: شهوات هابطة في الماضي تاب منها وبقيت آثارها وهو لا يعلم! لم تظهر آثار المرض عليه لكن بقيت الفيروسات في جسمه إلى أن نقلها إلى أم عياله وظهرت آثارها عليها بعد سنوات وقد لا تظهر عليه هو.. أي ندم سيصيبه - إن كان ذا إحساس - وهو يرى هذه المسكينة تتجرع مرارة المرض في جسدها المنهك، وفوقها وأشد منها الآثار النفسية والاجتماعية ووصمة لا ذنب لها فيه! وكذلك حال زوجة نقلت مرضا إلى زوجها. هذا كله إذا افترضنا أن من يقول: (أتوب فيما بعد والله يقبل) سوف يوفق لتوبة نصوح بالفعل وهو يستخف بالذنب بهذا الشكل! وهذا كله مع التذكير بأن المؤمن يردعه عذاب الآخرة، بغض النظر عما قد يصيبه في الدنيا. لذلك رجاء يا شباب: حافظوا على نقائكم!
من أعجب أصناف المسلمين من يثبط نفسه عن البناء بحجة أن (الظالمين سيهدمون ما بنيت فلماذا أبني أصلا)... (لن يتركوني)، (لا داعي للمحاولة)! هذا يستعبد نفسه لأعدائه بنفسه ويوفر عليهم كلفة السلاسل!! لو فكر المصلحون كما تفكر يا مسكين لما بقي في الأرض إسلام. (لكن توهمت السقام فأسقم الوهن البدن وظننت أنك قد وهنت فدب في العظم الوهن والمرء يرهبه الردى ما دام ينظر للكفن)
اعمل واعلم أن العباد كلهم مقهورون لقدرة الله، وهو سبحانه قادر على أن يحفظ دعوتك وعملك وبناءك ويكف كيد الظالمين.
من أكثر المواقف تأثيرا لحظات يقظة العصاة الممعنين في الفواحش والذنوب. يقظتهم عندما يمس حبهم وتعظيمهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم. من ذلك ما ذكره الشيخ أبو الحسن الندوي - رحمه الله تعالى - في كتابه (الطريق إلى المدينة) عن الشاعر الهندي (أختر الشيراني)، والذي كان من مدمني الخمر الفاحشين. كان أختر يجالس أشكاله من مدمني الخمر وبعض الشباب الشيوعيين العرب الذين يبدو أنهم تعلموا لغة القوم. فإذا عملت الخمرة في رأس أختر عملها صار من حوله يقولون له: (ماذا تقول في فلان؟)، فيؤلف شعرا بذيئا ماجنا ويضحك الجميع. وذات مرة تجرأ أحد جلسائه من الشيوعيين العرب فقال لأختر: (ماذا تقول في محمد؟). فلم يكد هذا القذر يتم جملته حتى تناول أختر كأس الزجاج وضربه بها على رأسه قائلا: (يا قليل الأدب! أنت توجه هذا السؤال الوقح إلى رجل مذنب؛ معترف بشقائه؟ ماذا تريد أن تسمع من فاسق؟). وكان جسمه يرتعد، وانفجر باكيا، وأقبل على هذا الشاب الوقح يقول في عنف وغضب: كيف سولت لك نفسك يا خبيث أن تذكر هذا الاسم النزيه المقدس؟ كيف تجرأت على ذلك يا قليل الأدب؟ يا قليل الحياء! لقد كان لكلامك مجال واسع، فلماذا دخلت في هذا الحمى المقدس؟ تب إلى الله من هذا السؤال الوقح، إنني أعرف خبث باطنكم جيدا.
ثم أمر بإخراجه من المجلس، ثم قام بنفسه، وبات طول الليل باكيا؛ يقول: (لقد بلغ هؤلاء الشباب الملحدون هذا الحد من الوقاحة والجراءة! إنهم يريدون أن ينتزعوا منا آخر ما نعتز به ونعيش عليه؛ من حب وولاء، وإخلاص ووفاء! إنني رجل مذنب؛ لا شك في ذلك، أعترف بذنبي، ولكن هؤلاء يحاولون أن نخلع ربقة الإسلام من أعناقنا وقلوبنا، ونخرج من حظيرة الإيمان، لا والله؛ لا نرضى بذلك). جميل أن يبقى في القلب تعظيم الله وكتابه ورسوله مهما قارف المرء من ذنوب.
أخي، أختي، إن كنا نمضي زهرة شبابنا وفترة حماسنا الملتهب وذهننا الصافي وقوانا الجسدية في ذروتها... إن كنا نمضي هذا كله في مصارعة الفتن، والتعثر في حفرها والقيام منها... إن كنا نمضيه في التردد عن غض البصر وصلاة الفجر في وقتها وتدبر القرآن وارتداء الحجاب الصحيح وضوابط العلاقة بين الجنسين والأغاني والمسلسلات والأفلام... إن كنا لا نزال ندور في فلك هذه المواضيع... فمتى سنحلق في سماء القرب من الله وخدمة دينه؟! متى سنتكلم عن قضايا أمتنا ونفض غبار الذل عنها؟ من للأمة الغرقى إذا كنا غريقين أيضا؟! متى سنحس بأننا قد أحكمنا أمرنا وروضنا أنفسنا وغمر الإيمان قلوبنا لننطلق إلى الغافلين ندعوهم إلى جنة الأرض الروحية التي وهبنا الله إياها؟ متى سنعيش فرحة دلالة الشباب الصغار على المساجد بدل تعلم الموبقات في الشوارع؟ متى سنتلمس طريق النهضة لأمتنا بقراءات منهجية تغذي ثقافتنا ثم نتفاعل بها مع محيطنا؟ متى سننتبه وننبه مجتمعاتنا إلى المؤامرات التي يحيكها لهم من قال الله فيهم: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا" [البقرة: 217] ؟ متى نبادر إلى أن نكون نحن الفاعلين المؤثرين بدل أن نكون حقل تجارب لغيرنا؟ متى سندعو زملاءنا وجيراننا النصارى إلى دين الله تعالى قبل أن يتعلقوا برقابنا يوم القيامة؟
متى نتحمل مسؤوليتنا تجاه البشرية ونشعر بتكاليف انتسابنا إلى الأمة التي قال الله لها: "كنتم خير امة اخرجت للناس" [آل عمران: 110] ؟
أما آن لنا أن نستجيب لأمر الله تعالى: "يا ايها الذين آمنوا كونوا انصار الله" [الصف: 14] ؟ إخوتي، كفى ترددا، كفى تعثرا، كفى دورانا في حلقة مفرغة... تعالوا نحلق، تعالوا ننطلق إلى آفاق خدمة دين الله ولذة التعلق به لنستشعر قول الله تعالى: "أومن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس" [الأنعام: 122].