السلام عليكم ورحمة الله، كيف حالكم يا شبابنا؟ نرجو التأكيد على جودة الصوت والصورة. سنبدأ اليوم بالحديث عن "محطات الحفاوة الربانية بالجنس البشري"، لنتدارس معاً كيف أعطى الله سبحانه وتعالى أهمية وقيمة لهذا الجنس البشري. لقد جمعت لكم حوالي 30 محطة، سنحلق بها في رحلة عمودية نصل فيها إلى القمة، لتشعرنا كل محطة بمزيد من أهمية أنفسنا.
بدأت الأهمية قبل خلق آدم عليه السلام؛ حيث أخبر الله سبحانه وتعالى الملائكة عن حدث عظيم قادم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً خلق الإنسان لم يكن مجرد حدث كوني عابر، بل حدث تم الإعلان عنه في الملأ الأعلى أمام الملائكة المقربين الأشراف.
خلق الله آدم بيديه سبحانه، وهذا تكريم عظيم لآبي البشر وإشعار بعظيم أهمية الجنس البشري. كان يمكن أن يخلق الله العباد بكلمة "كن"، لكنه خلق آدم بيده تشريفاً. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم، وجنة عدن، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان".
الله نفخ في آدم من روحه: فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ والروح هنا هي "نسبة تشريف" وتكريم إلى الله سبحانه وتعالى، وليست جزءاً من ذات الله، بل هي الروح التي خلقها الله وأضافها لنفسه تكريماً.
عندما دبت الحياة في آدم، أمر الله الملائكة أن يسجدوا له سجود إجلال: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ سجد الملائكة كلهم أجمعون، بما فيهم جبريل عليه السلام "الرسول الكريم ذو القوة عند ذي العرش المكين". هذا تكريم لآدم ولذريته من بعده.
علم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء كلها بنفسه، فأعطاه قدرة معرفية وعقلية لا يملكها غيره من المخلوقات: وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ
حتى عندما أذنب آدم وحواء، لم ينهِ الله حياتهما، بل علمهما كيف يتوبان وتاب عليهما لأنهما مهمان ولهما مهمة عظيمة: فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
عندما أنزل الله آدم وحواء إلى الأرض، سخر لهما وللجنس البشري كل ما في الكون: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وليس الأرض فقط، بل والسماوات أيضاً: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ كل ما تراه حولك مسخر لك لتؤدي المهمة العظيمة وهي عبادة الله. هذه العظمة تقابل خيبة الملحدين الذين يقولون إننا مجرد "وسخ كيميائي".
الله عز وجل خاطبنا لأننا مهمون. تصور ما معنى أن يخاطبك رب العالمين ذو الأسماء الحسنى والجلال والكمال: يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ على قدر تعظيمك لله، ستشعر بأهميتك حين يخاطبك ويكرمك.
لأنك مهم، الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمعك تدعوه وتتضرع إليه وهو الغني عنك. في الحديث القدسي الذي رواه مسلم:
"يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم..."
الله يطلع على حركاتك وسكناتك وأعمال قلبك ويحتفي بها. في الحديث القدسي:
"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم..."
دمعتك من خشية الله، التي قد لا تزن شيئاً مادياً، هي عند الله أثقل من الأرض وما فيها. قال النبي ﷺ: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله".
لأنك مهم، فالله عز وجل يراقبك ويحاسبك على كل كلمة تقولها. البعض قد يتبرم من فكرة الرقابة ويراها قيداً، لكنها في الحقيقة دليل على أنك "مُعتنى بك" ولست مهملاً. كلمة طيبة واحدة قد ترفعك إلى أعلى الدرجات؛ قال النبي ﷺ:
"إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يرفعُه اللهُ بها درجاتٍ" وفي رواية: "يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه".
لأنك مهم، كلفك الله بالعبادة؛ بالصلاة والصيام والزكاة، وحرم عليك الخبائث. الأب الذي يترك ابنه دون توجيه هو أب غير مهتم، أما الذي يأمر وينهى ويحمي ابنه مما يؤذيه فهو المحب الحقيقي. ولله المثل الأعلى، فتشريعاته صيانة لحواسك وقلبك من التلوث. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
لأنك مهم، وكل الله بك ملائكة يحرسونك ويكتبون أعمالك. الشخصيات المهمة في الدنيا يحيط بهم حراس (Bodyguards)، وأنت محروس بملائكة بآمر الله: لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ
لأنك مهم، عظم الله كل ما يتعلق بك. في خطبة الوداع، قال النبي ﷺ:
"فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحرمةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا". وجاءت الشريعة بحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل (العرض)، والمال.
حرم الله الغيبة صيانة لكرامتك. في حادثة مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، عندما قالا عن رجل يخدمهما في السفر: "إن هذا ليوائم نوم بيته" (أي ينام كثيراً)، قال لهما النبي ﷺ: "لقد ائتدتم بلحم أخيكما"، إشارة لقوله تعالى: وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرَهْتُمُوهُ
حرم الإسلام حتى إيذاء مشاعرك البسيطة. نهى النبي ﷺ عن ترويع المسلم ولو مزاحاً، ونهى عن "التناجي" (أن يتحدث اثنان سراً بوجود ثالث) لأن ذلك "يحزنه". وقال ﷺ: "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ". حتى سوء الظن (وهو عمل قلبي) محرم صيانة لكرامتك.
لأنك مهم، نهاك نبيك ﷺ عن مشابهة الحيوانات في هيئاتك، كافتراش الذراعين كافتراش السبع في السجود، أو "نقر الغراب" في الصلاة، صيانة لمظهرك ووقارك كإنسان مكرم.
حتى أنت لا يحل لك أن تسب نفسك أو تحتقرها؛ لأن الله أعطاك نفساً عزيزة. قال ﷺ: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي"؛ فالمسلم أجلّ من أن يوصف بالخباثة حتى في لحظات ضيقه.
لأن نفسك ملك لله وهي مهمة جداً، جعل الله الانتحار من أكبر الكبائر. في الحديث: "بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة". حتى التدخين يدخل في باب إيذاء هذه النفس المهمة التي كرمها الله.
في النظم المادية، يُنظر للإنسان غير المنتج (كبير السن أو المريض) كعبء، وقد يطرحون فكرة "الموت الرحيم" (Euthanasia). أما في الإسلام، فهذا الوقت هو الذي تزداد فيه أهمية الإنسان، ويصبح باباً لوصول أبنائه إلى الجنة: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
حتى بعد وفاتك، جسدك له حرمة وأهمية؛ قال ﷺ: "كسر عظم الميت ككسره حياً".
جعل الله الإحسان للمؤمن (عيادة مريضه، إطعام جائعه) كأنه إحسان لله عز وجل. في الحديث القدسي: "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني... أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟".
لأنك مهم، جعل الله الجنة درجات، ليعلمك أن وقتك وأعمالك لها قيمة عظيمة. قال ﷺ:
"إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدَّها اللهُ للمجاهدين في سبيلِه، ما بين الدرجتين كما بين السماءِ والأرضِ". وهذا التفاوت يحفزك ألا تضيع ساعة بلا طاعة، لتنافس وتترقى في هذه الدرجات العالية.
حتى لو ابتعدت عن الله بعد كل هذا التكريم، فإنه سبحانه لا يطردك، بل يحتفي بعودتك. في حديث الرجل الذي فقد راحلته في أرض مهلكة ثم وجدها:
"لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ..." تصور كم أنت مهم عند الله ليفرح بتوبتك وهو الغني عنك سبحانه وتعالى.
حرم الله إهانتك حتى لو ارتكبت ذنباً يستوجب العقوبة؛ فنهى ﷺ عن ضرب الوجه، ونهى عن لعن المذنب كما في حديث شارب الخمر: "لا تلعنه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".
لأنك مهم، كلفك الله بأعظم مهمة وهي "الدلالة عليه". أنت كمسلم تملك الوحي المحفوظ، وأنت الملاذ الأخير لهذه البشرية المتخبطة: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ إذا تخلينا عن هذه المهمة، فنحن نساهم في هلاك أرواح الناس، وهذا يضاعف من حجم مسؤوليتنا وأهميتنا.
قد يبلغ المؤمن حداً من الأهمية يجعل وفاته حدثاً كونياً تهتز له أعظم المخلوقات. قال ﷺ:
"اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ". سعد بن معاذ توفي وهو شاب، لكن مواقفه الجليلة جعلت لموته هذا الأثر العظيم.
في الجنة، يكرمك الله بأنواع التكريم التي لا تليق إلا بالمهمين: جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ وأجمل ما في النعيم هو قوله ﷺ في الحديث القدسي: "أعددتُ لعبادي الصالحين..."؛ فكلمة "أعددتُ" تشير إلى أن الله بذاته وبمحض عنايته أعد لك هذا النعيم، كما غرس جنة عدن بيده سبحانه وتعالى.
لأنك مهم، يمنحك الله أعظم لذة على الإطلاق، وهي رؤيته سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ هذا الشرف العظيم لا يناله إلا المهمون عند الله الذين أحسنوا العمل في الدنيا.
إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله، فانظر في ماذا يشغلك. كما قال ابن القيم رحمه الله: "من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان، فلينظر ماذا يليه من العمل وباي شيء يشغله".
هناك هاوية سحيقة قد يسقط فيها الإنسان فيفقد كل هذا التكريم:
يا شباب، أهميتكم مرتبطة بتقواكم وعملكم؛ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. لا تكن من "حفالة" الناس الذين لا يعبأ الله بهم شيئاً. تذكروا دائماً: وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ نسأل الله أن يجعلنا ممن عرفوا قدر أنفسهم بطاعته. نلتقي غداً إن شاء الله لنكمل تبعات هذا الشعور بالأهمية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.