بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على حبيب القلوب سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أذكركم يا شباب ما هدفنا من هذا اللقاء؟ هدفنا ببساطة أن نكمل موضوع "لماذا أنت مهم؟". كنا في اللقاء الأول قد تكلمنا عن الأسباب التي تمنعك من الإحساس بالأهمية وعالجناها سبباً سبباً، وأيضاً شرحنا في المقدمة لماذا يجب أن يكون كل اهتمامي منصباً على أهميتي عند الله عز وجل، وأن هذه هي الأهمية الحقيقية التي سوف تنعكس على حياتي دنيا وآخرة.
ثم في اللقاء الثاني تكلمنا عن محطات الحفاوة الربانية بالجنس البشري، وطلعنا فوق القمة. ثم بعد ذلك انتقلنا إلى ما لا نريد أن نهوي به عن القمة، فما هي الأشياء التي تجعلك تهوي على رأسك -والعياذ بالله- حتى تحذرها غاية الحذر؟ وتكلمنا عن كيف تستطيع أن تقيم قدرك عند الله عز وجل.
سألت الشباب: يا ترى كيف أعرف قدري عند الله سبحانه وتعالى؟ وكما أجاب زيد: "من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان، فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شيء يشغله". فإذا كنت تعمل أعمالاً نافعة تتقلب فيها، فالله عز وجل اصطفاك لها ولك قدر عنده، أما إذا كانت الساعات والأيام تضيع بلا جدوى، فكنت على الله هيناً والعياذ بالله.
ذكرنا ثلاثة أشياء تجعل المرء هيناً على الله بعدما وصل القمة:
"ليدعنَّ رِجالٌ فخرَهم بأقوامٍ، إنَّما هم فَحمٌ من فَحمِ جَهَنَّمَ، أو ليكونُنَّ أهونَ على اللهِ من الجُعَلانِ".
الكفر والإشراك بالله: وهو الذي يجعل الإنسان يهوي من الأعالي إلى أسفل سافلين، كما في قوله تعالى: حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ وكذلك الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى كما في قوله تعالى: وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
هوان تعظيم الله في القلب: كحال الذين يحلفون كذباً أو يمزحون بآيات الله عز وجل.
اليوم نتابع ونختم الموضوع: ماذا يترتب على معرفة أنك مهم؟
أول ما يترتب على ذلك هو محبة الله وتعظيم الله الذي أعطاك هذه الأهمية. إن إدراكك لمدى حفاوة الخالق بك يزيد من تعلقك به ورجائك في رحمته، وهذا أشرف ما تشتغل به في حياتك.
تبدأ تقرا القرآن بنفسية جديدة وبـ "إطار عام" (Theme) مختلف. اقرأ القرآن هذه المرة وأنت تستشعر "أنك مهم"، وتلمس هذا المعنى في خطاب الله لك. حين تقرأ: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ تدرك أنه كرمك لتقوم بمهمة عظيمة ترفع قدرك وهي: وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ هذا التكليف هو لمصلحتك ولشرفك، فالله يحب أن تتجلى في عبده آثار أسمائه وصفاته.
التكليفات الشرعية لا تعود ثقيلة عليك، بل تصبح مصدر اعتزاز وامتنان. حين تغض بصرك أو تقوم لصلاة الفجر، لا تفعل ذلك بضيق وتبرم، بل تشعر أن الله اصطفاك وأعطاك أهمية بأن كلفك بهذه المهمة العظيمة.
إدراك أهميتك ينعكس على تقديرك لنفسك وحصانتك ضد الأمراض النفسية (كالوسواس، الاكتئاب، الهشاشة النفسية). فمن أهم أسباب الضعف النفسي هو عدم إدراك القيمة، أما حين تحس أنك مخلوق مهم عند الله، فستمتلك قوة ضد هذه المشاعر.
ببطل تشحد الإحساس بالأهمية من الناس؛ فلا تلهث خلف "اللايكات" أو نظرات الإعجاب بشكل أو بمال. لقد أصبح لديك بوصلة مركزة على وجهة واحدة: "نظري الله إلي وقيمتي عنده". وهذه القيمة تكتسبها بطاعتك، وهو شيء أنت تتحكم فيه.
ستتصرف كانسان مهم؛ فتعتني بصحتك، وتستغل وقتك، وتنطلق في الحياة بدافعية وحرص على التفنن في الأعمال النافعة. الثانية يصبح لها حساب عندك، لأنك تدرك أن كل موقف مرصود وقد يرفعك درجات في الجنة.
النفس المهمة تبحث عن أهداف مهمة. الإنسان الذي يسخر من تدينك أو التزامك هو في الغالب إنسان تائه بلا بوصلة، هدفه لا يتجاوز الأكل والشرب. أما أنت، فمعرفتك بأهميتك تجعلك تضع أهدافاً تليق بمقامك عند الله.
ستنظر لأبنائك أو إخوتك الصغار على أنهم نفوس بشرية كرمها الله، فتتعامل معهم بتقدير. كل إنسان يولد ولديه "جوعة" للتقدير، والتربية الإسلامية تشبع هذه الجوعة بالكرامة، لكي لا يقعوا فريسة للشعارات الزائفة (كالنسوية المتطرفة أو الجمعيات الغربانية) التي تغلف سمومها بقشرة من التقدير الموهوم.
الإحساس بالأهمية يحدث انقلاباً هائلاً في تعاملاتنا مع الناس؛ فنحترم أوقاتهم، وحقوقهم، ومشاعرهم لأنهم مهمون عند الله. فلا تفرق في تعاملك وحذرك بين حي فقير وحي غني، فكل نفس إنسانية لها حرمتها وكرامتها. وكذلك في موضوع التدخين، فمن يدرك أنه يتعامل مع مخلوقات مهمة لا يؤذي صحتهم بدخانه في الأماكن المغلقة، ولا يستهين بحقوقهم التي سيحاسب عليها يوم القيامة.
إذا أدركت أنك مهم، فإنك تتقن التعلم والعمل. الطبيب أو المهندس لا يمكن أن يغش في دراسته لأنه يدرك أنه سيتعامل مع "أنفس مهمة". فإهمالك في معلومة طبية قد يؤدي لوفاة عبد لله خلقه ليعمر الأرض، وسوف تحاسب على هذا التفريط. وكذلك المهندس، فإهماله في التصميم (كالتصميم الزلزالي مثلاً) قد يتسبب في كوارث، والقضاء والقدر لا يكون شماعة للفشل والإهمال.
الإنسان المهم يتجاوز المعارك الجانبية ويفعل "مود التغافل" (التطنيش)، سواء في الواقع أو على مواقع التواصل. لن تسمح لنفسك أن يضيع وقتك أو تتكدر مشاعرك لأن فلاناً قال أو علق أو سب، فأنت لديك أهداف عظيمة تحققها، والله عز وجل يتولى أن يكفيك هؤلاء.
تتغير شبكة علاقاتك فتبحث عمن يدرك أهمية نفسه ويعينك على تذكر أهميتك. تنفر من مجالس الغيبة أو المجالس التافهة التي تضيع الوقت في المقارنات المادية (سيارات وعقارات)، وتبحث عن الصديق الذي يراعي قيمتك ويحثك على المعالي، وتبتعد تماماً عن صديق السوء الذي يحثك على الحرام.
تتوقف عن تقليد الناس في أولوياتهم وعاداتهم لأن كثيراً منهم لا يدركون أهمية أنفسهم. لست مضطراً لتقديس المنظومات الأكاديمية أو الاجتماعية التي قد تخرجك وأنت لا تفقه شيئاً في دينك أو صحتك النفسية أو تربية أبنائك. أنت إنسان مهم، لك طريقك وعاداتك وأولوياتك المستمدة من شريعتك.
يتغير خطابك الدعوي للآخرين؛ فبدلاً من التحطيم والتبكيت، تشعر من تدعوه بأهميته لترفعه عن المعصية. تقول له: "أنت إنسان مهم عند الله، ومقامك كمسلم عالٍ، فلا تليق بك هذه المعصية التافهة".
أحدثكم عن أبي -رحمه الله- حين عُين في مدرسة بها صف من الطلاب المشاغبين (الزعران) الذين لا يحترمون أحداً. دخل إليهم وهم في حالة من الفوضى وعدم الاحترام، فبدأ يحدثهم عن "كرامة الإنسان في الإسلام".
حدثهم كيف أن الإنسان غالٍ عند الله، فكانت النتيجة أن الطالب الذي كان مستهتراً في جلسته اعتدل، ومن كان يرفع رجليه أنزلهما، وأصغوا إليه جميعاً بإنصات شديد. لقد أشبع كلامه "جوعة التقدير" في نفوسهم، حتى إنهم تمسكوا به ورفضوا خروجه من الحصة. هذا هو أثر إشعار الناس بأهميتهم عند الله.
ختاماً يا شباب، الله يكرمكم، نحن مهمون؛ قلوبنا، عقولنا، أسماعنا، أبصارنا، صحتنا وأوقاتنا كلها مهمة. لن نسمح لأحد أن يشغلنا بالتفاهة أو يجعلنا حقيرين عند رب العالمين.
اجعل شعارك من الآن فصاعداً: "أنا مهم، وأنت مهم"، وعلى هذا الأساس نتعامل. سعدت جداً بلقائكم في هذه الجلسات الثلاث، فقد وجدت في نفسي انشراحاً بتفاعلكم لا أجده أمام الكاميرات الجامدة.
جزاكم الله خيراً على حسن الاستماع، وبارك فيكم وأكرمكم، وعلى أمل اللقاء بكم في موضوع آخر قريبا إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.