السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. بدايه يا شباب، اسمحوا لي أن أعبر عن فرحتي وسعادتي بأن أكون معكم في هذه الساعة. أنا أحب التعامل مع الشباب بشكل عام، خاصة وأنهم عموماً قابلون للإصلاح والتحسين والتغيير أكثر من الذين يتقدمون في السن، وعندهم نوع من التواضع للحق فيما أحسبهم.
وكما يقول ابن القيم -بما معناه- إن الإنسان الذي يدعو إلى الله عز وجل هو أولى بأن يشكر المدعوين من أن يشكروه هم؛ لأنكم رضيتم أن تكونوا سبباً في تنزل رحمات الله عليّ، وأن يكون لي أجر إن شاء الله. فالله يجزيكم الخير على انضمامكم لهذه المسابقة وسماع هذا الكلام الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون في ميزان حسناتي وحسناتكم يوم القيامة.
محاضرتنا بعنوان: "لماذا أنت مهم؟". لقد قدمت هذه المحاضرة قبل عامين ونصف، وحسنت عليها وزدت عليها محتوى جديداً، وفصلتها إلى جزئين لنأخذ راحتنا في هضم المعاني. اليوم سنعطي الجزء الأول وغداً الجزء الثاني بإذن الله تعالى.
في فن إلقاء المحاضرات، يُقال: "ابدأ بسؤال (لماذا) قبل سؤال (ماذا)". لماذا نحتاج أن نتكلم عن أهميتك؟ ولماذا أحاول إقناعك بأنك مهم؟
وضعت لكم استبياناً قبل ساعات، وجاءت النتائج كالتالي:
هدفنا اليوم هو تجديد الدافعية، وتوضيح الأهداف، والوصول إلى قناعة بأن أرواحنا وأوقاتنا غالية جداً ولا يجوز أن تضيع سدى.
من الذي يعطيك الأهمية الحقيقية؟ ومن الذي يحدد إن كنت مهماً أم لا؟ يقول الله تعالى: ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
بما أن الله هو الخالق والرازق والمميت والمحيي، فمن المنطقي جداً أن يكون شغلك الشاغل هو: "كيف أكون مهماً عند رب العالمين؟".
قد يوسوس الشيطان للبعض بأن الدين مهم، لكنه يريد أن يكون مهماً في عيون الناس أيضاً. تذكر قوله تعالى: مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا
أنت المستفيد الوحيد من هذه الأهمية، فحق الله وحق نفسك لا يتعارضان، بل إنك تكتسب أهمية كبيرة بقدر تعظيمك لله عز وجل.
قبل أن نحلق في "رحلة الحفاوه الربانية"، يجب أن نحطم القيود والأوهام التي تجعلك تشعر بعدم الأهمية:
هذا أكثر سبب اخترتموه (22%). الشيطان يريدك أن تخلط بين "كره المعصية" و"تحقير الذات".
يقول البعض: "أنا واحد من مليارات البشر والملائكة، فكيف يلتفت الله إليّ؟".
يعتقد 16% أن قلة الذكاء أو الجمال أو المال تنقص من قدرهم.
يشعر البعض بعدم الأهمية لأن دماء المسلمين رخيصة أو لأننا متأخرون تقنياً.
اختار 3% منكم هذا السبب، حيث يشعر البعض بالحيرة تجاه وجود الخالق أو صحة الدين، مما يجعلهم يرون أنفسهم مجرد "صدفة كيميائية" كما يروج الملحدون.
يشعر 12% بعدم الأهمية لأن أسرهم أو مجتمعهم لا يقدرونهم أو يهينونهم.
قد يتأثر الإنسان بالمحاضرة لساعة أو يوم، ثم يعود لدوامة الشعور بالتفاهة. المفتاح هو "الإدمان على القران". القرآن هو الذي يضبط لك الموازين، ويجعلك تدرك أن الدنيا "حلم" أو "كابوس" عابر، والآخرة هي الحقيقة. وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ عندما تقرأ القرآن بتدبر، ترتقي روحك عن مرارة الواقع الزائل، وتصبح قدماك على الأرض وقلبك يحلق في السماء.
تأمل في هذا الحديث القدسي الذي يزلزل الوجدان، لتعرف قدرك عند الله إذا تقربت إليه: «مَنْ عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ».
هذا الحديث يثبت أن أهميتك بيدك أنت؛ فأنت من يقرر أن يتقرب بالفرائض ثم النوافل حتى ينال محبة الله وتسديده في كل جوارحه.
لقد عالجنا اليوم ثمانية أسباب تعيق شعورك بالأهمية، وقصقصنا أجنحة الأوهام التي تكبلك. غداً إن شاء الله، سننطلق في رحلة "الحفاوه الربانية" لنرى شواهد تكريم الله لك منذ ميلاد الجنس البشري وحتى قيام الساعة.
أرجو أن تكونوا مستعدين ومشحونين لهذه الرحلة. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.