السلام عليكم ورحمة الله.
هل كلُّ من ليس مسلماً فهو في النار؟ الجواب المباشر: لا. والتفصيل كما سنرى.
أظن أن هذه إخواني من الكلمات المهمة التي توضِّح لك الموضوع بشكلٍ جيد، خاصةً وأنه يحصل فيه خلطٌ شديد. سآتي لكم بكلامٍ لثلاثةٍ من الأئمة من مدرستين مختلفتين: ابن تيمية وابن القيم وأبي حامد الغزالي. سترى من كلامهم أنَّ غير المسلمين ينقسمون إلى أربعة أقسام، ولكلِّ قسمٍ حكمه.
دعونا نذكر هذه الأقسام أولًا ثمَّ نطَّلِع على كلام الأئمة.
القسم الأول: الذين لم يسمعوا برسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم ورسالته أصلاً، وهؤلاء لا يعاقبهم الله.
القسم الثاني: الذين سمعوا برسول الله وصفاته ومعجزاته وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكفروا. فهؤلاء من أهل النار.
القسم الثالث: الذين سمعوا برسول الله لكن سماعاً غير صحيح، يعني سمعوا ضد أوصافه، سماعاً لا تقوم الحجة بمثله عليهم، ولا يستثيرهم للنظر والتحقق من أمره. فهؤلاء كالقسم الأول لا يعاقبهم الله.
القسم الرابع: الذين سمعوا برسول الله ورسالته، لكن قدراً غير كافٍ، إلا أن القدر الذي بلغهم يجب أن يستثيرهم ليتحققوا ويبحثوا ويسألوا، لكنهم أعرضوا عن ذلك لعدم اهتمامهم بأمر الدين كله، وتفضيلهم للحياة الدنيا. فهؤلاء أيضاً يعاقبهم الله، وكفرهم يسمى كفر إعراض، يعني إعراض عن أمر الدين بالكلية وعدم اهتمام به.
قد تقول: طيب والذي سمع بالنبي واطلع على الإسلام وأدلته، لكن لم يقتنع بها؟ هذا مع الصنف الثاني، الكافر كفر جحود وتكذيب، والمستحق للعذاب. فأدلة الله على صحة الإسلام مقنعة لكل منصف طالب للحق، ومن يكفر بها فلأمراض قلبه وعمى بصيرته التي استحقها بأفعاله. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99].
إذن يا إخواني مرة أخرى:
أنا أعلم أن الأمر سيثير الكثير من التساؤلات، وليس هذا مقام الجواب عنها، فالموضوع يحتاج تفصيلاً كثيراً.
أنه تحدى الناس فلم يأتوا بمثله، لكنه سمع مع ذلك تشويهاً للإسلام. التشويه حاصل في كل زمان من أيام نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن هذا السماع أنه رسول يدعو لعبادة الله وحده يحرِّك الفطرة التي تنجذب للتوحيد، ويجب أن يدفعه للتحقق. فما المقدار الذي يجعله من أهل القسم الثالث، وما المقدار الذي يجعله من أهل القسم الرابع؟
ثم الذين لا يعاقبون، هل تشملهم رحمة الله كما قال الغزالي؟ أم أن الله يمتحنهم يوم القيامة كما رجح ابن تيمية؟
طيب يا ترى أكثر غير المسلمين في زماننا، في عصرنا، هل هم من الصنف الأول؟ أم من الثاني، أم من الثالث، أم من الرابع؟ تساؤلات كثيرة، لكن الذي يهمنا هنا هو بيان أن السؤال ليس له جواب واحد أن كل من ليس مسلماً فهو في النار، الموضوع مش هيك يا جماعة، ليس هكذا.
والذي يهمنا أيضاً أن نوضح أن هناك من يلبس على المسلمين فينفرهم من القول بأن كل من ليس مسلماً فهو في النار، ثم يعطيك بديلاً باطلاً فيقول: لا، افرض أن هذا غير المسلم اطلع على حقيقة الإسلام فلم يقتنع. افرض أنه اطلع لكنه نفر من الإسلام لسوء أخلاق المسلمين. يعني تتوقع كل ما ادعى أحد للنبوة أن ينظر هؤلاء في الدعوة ويتحققوا؟ هذه كلها ليست أعذاراً.
نحن إخواني لا نتكلم عن دين كالأديان الباطلة، بل دين له رصيد في الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ولا نتكلم عن رسول كمدعي النبوة، بل الفرق بينهم وبينهم كما الفرق بين الليل والنهار.
وترى من يجعل شروط إقامة الحجة تعجيزية، ويقول: إذا أردت أن تقيم الحجة على فيلسوف، يجب أن تكون فيلسوفاً مثله. ويقول لك: الطريقة الوحيدة أن نقنع غير المسلمين بالإسلام هي أن نقنعهم أننا لسنا مسلمين لسوء وضعنا، ويرسم لك صورة سوداوية للمسلمين متجاهلاً كل النماذج المشرقة في زماننا. وفي النهاية لا تقوم الحجة على أحد، ولا داعي أن ندعو إلى ديننا على هذه الطريقة، وهذا كلام باطل.
أنا ما تكلمت في هذا الأمر إخواني إلا لتطمئن النفوس إلى عدل الله تعالى ورحمته، ثم بعد ذلك اجعل تركيزك على شيء واحد تجيب عن سؤال: ما المطلوب مني تجاه غير المسلمين؟ أن أدعوهم إلى دين الله تعالى، وأتحلى بالأخلاق الطيبة، وأسعى لإتقان أدواري في عمارة الأرض لألا أفتنهم عن ديني، ثم دع أمرهم لله تعالى. من قامت عليه الحجة ومن لم تقم لا ننشغل بهذا، بل انشغل بأن تكون أداة الله تعالى في رحمة عباده وإقامة الحجة عليهم واستنقاذهم من النار. تمام يا جماعة.
تعالوا الآن إلى كلام الأئمة.
قال ابن تيمية: "فأما من تعمد تحريف الكتاب لفظه أو معناه، وعرف ما جاء به الرسول -يعني من أهل الكتاب- وعرف ما جاء به الرسول -يعني محمد عليه الصلاة والسلام- فعانده، فهذا مستحق للعقاب. وكذلك من فرط في طلب الحق واتباعه، متبعاً لهواه، مشتغلاً عن ذلك بدنياه"، الذي سميناه كفر الإعراض.
إلى أن قال: "والقول الثالث وعليه السلف والأئمة"، إذن يا جماعة هذا القول الذي ستسمعونه هو قول السلف والأئمة وليس ابن تيمية وحده، قال: "أنه لا يعذب إلا من بلغته الرسالة، ولا يعذب إلا من خالف الرسل، كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]".
إلى أن قال ابن تيمية: "ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات -يعني الذين لم تبلغهم الدعوة- فهؤلاء فيهم أقوال، أظهرها -يعني الأرجح عنده- ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث الله إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العقاب". تمام يا جماعة.
الآن ابن القيم رحمه الله في كتابه "طريق الهجرتين" عند الحديث عن مراتب المكلفين قال: "لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال".
إلى أن قال: "أن العذاب يستحق بسببين: أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادة العلم بها وبموجبها"، اللي هو كفر الإعراض. "الثاني العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها"، اللي هو كفر الجحود العناد.
قال: "فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل". إنسان جاهل لم يتمكن من معرفة أدلة الإسلام، قال لك هذا نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.
ثم قال: "الأصل الثالث أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر". شوف يا جماعة مدى الدقة عند ابن القيم رحمة الله عليه، بل هناك تفاصيل أكثر دقة في هذا الموضوع وفي هذا الموضع من الكتاب "طريق الهجرتين" لكن لا مجال لتفصيله حتى نختصر لكم.
يقول الغزالي: أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:
قال رحمه الله الغزالي: "وأما من سائر الأمم فمن كذبه بعدما قرع سمعه على التواتر، خروجه وصفته ومعجزاته الخارقة للعادة كشق القمر وتسبيح الحصى ونبع الماء من بين أصابعه والقرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة فعجزوا عنه، فإذا قرع سمعه فأعرض عنه وتولى ولم ينظر فيه ولم يتأمل ولم يبادر إلى التصديق فهذا هو الجاحد الكاذب وهو الكافر. ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد الإسلام".
إلى أن يقول الغزالي: "بل أقول -يعني الغزالي- من قرع سمعه هذا فلا بد أن تنبعث منه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة". إنسان يهمه أمر الدين، يهمه أن يكون مظهراً لله خالقه وبارئه ورازقه العرفان: يا رب كيف أعبدك؟ هذا إنسان يهتم بالدين، فلا بد أن تنبعث منه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. فإن لم تنبعث فيه هذه الداعية -مهتمش- فذلك لركونه إلى الدنيا وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين، وذلك كفر. وإن انبعثت الداعية فقصر عن الطلب فهو أيضاً كفر.
وأظنكم إخواني قد لاحظتم وجود تشابه كبير بين الأئمة الثلاثة. وأنصحكم أيضاً بقراءة إجابة بعنوان "حكم من لم يسمع بالإسلام من النصارى" في موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ محمد المنجد فرج الله عنه.
وأسأل الله أن يكون هذا التفصيل نافعاً وأن يتقبل منا ومنكم. والسلام عليكم ورحمة الله.